آخر تحديث :الأحد-08 نوفمبر 2026-10:47م

ما لا تقوله الأشياء... على مقعد الانتظار!

الأحد - 08 نوفمبر 2026 - الساعة 10:13 م

د. سمير أحمد بوست
بقلم: د. سمير أحمد بوست
- ارشيف الكاتب

كان العم سالم يعرف طريق الدائرة الحكومية جيدًا؛ فقد صار يزورها أكثر مما يزور أقاربه.


في كل مرة، يحمل ملفًا بنيًّا صغيرًا، تتآكل أطرافه من كثرة التنقل بين المكاتب. وفي داخله أوراق كثيرة، لكنها لا تحمل سوى طلب واحد: أن تصل المياه إلى الحارة التي يسكن فيها.


كان يقول لمن يسأله: "ما نريد إلا أبسط حقوقنا... نريد فقط أن نفتح الصنبور فنجد ماءً".


وفي صباح أحد الأيام، ذهب إلى الدائرة كعادته. جلس في الممر الطويل، ووضع ملفه على ركبتيه، وأخذ يتأمل الناس من حوله. رجل جاء يسأل عن راتبه، وآخر يحمل وصفة طبية، وامرأة تحاول أن تفهم لماذا أُعيدت معاملتها للمرة الثالثة.


كان الجميع ينتظرون.


وفي تلك الأثناء، وصل المسؤول الكبير. نهض الموظفون، وتحرك المرافقون، وتغير وجه المكان. تقدم بعض الحاضرين للسلام عليه، وانحنى أحدهم وقبّل رأسه، فيما التقطت الكاميرات المشهد.


ظل العم سالم جالسًا.


لم يكن غاضبًا، ولم يكن يريد أن يفسد فرحة أحد، لكنه نظر إلى ملفه القديم، ومسح الغبار عن غلافه، ثم همس للرجل الجالس بجانبه: "يا أخي، لو أن المسؤول جاء وجلس بيننا قليلًا، لعرف لماذا طال بنا الانتظار".


سمعه الرجل، فابتسم دون أن يرد.


بعد قليل، دخل المسؤول مكتبه، وأُغلق الباب.


ظل العم سالم ينتظر. وحين جاء دوره، دخل متكئًا على عصاه، ووضع الملف أمام الموظف.


قلّب الموظف بعض الأوراق، ثم قال: "راجعنا الأسبوع القادم يا عم".


رفع العم سالم عينيه وسأله: "وهل ينتظر الجميع بلا ماء إلى الأسبوع القادم؟! والسؤال الأهم: هل سيأتي الماء الأسبوع القادم أيضًا؟!"


لم يجد الموظف جوابًا.


خرج الرجل ببطء، وعند الباب التفت إلى الداخل. كان الكرسي الكبير في صدر المكتب، والملفات فوق الطاولة، والباب الذي دخل منه لا يزال مفتوحًا.


في طريق عودته، مرّ بحارته الصغيرة. رأى أطفالًا يحملون أوعية الماء، وامرأة تنتظر سيارة الصهريج (الوايت)، ورجلًا عجوزًا يجلس أمام منزله وقد وضع دلوًا فارغًا بجانبه.


توقف لحظة، ثم تابع طريقه.


وفي المساء، انتشرت صورة استقبال المسؤول. كان أحد المواطنين يقبّل رأسه، والابتسامات تحيط بالمشهد.


نظر إليها العم سالم طويلًا، ثم قال لزوجته: "الله يديم المحبة بين الناس... لكنني أتمنى أن يأتي يوم يزورنا فيه المسؤول، فيجلس معنا، ويسمع ما لا نعرف كيف نوصله إليه".


سألته زوجته: "وماذا تريد أن يقول لك؟"


أجاب: "لا أريده أن يقول شيئًا كثيرًا. يكفيني أن يقول: سامحونا، قصّرنا معكم، وسنعمل حتى لا تبقوا هكذا".


ثم طوى ملفه ووضعه في الدرج، وجلس إلى جوارها وقال: "أنا لا أريد أن ينحني لي أحد، ولا أن يقبّل المسؤول رأسي، ولا أن تُلتقط لي صورة وأنا أصافح صاحب المنصب".


وأضاف: "أنا وجميع أهل الحارة نريد شيئًا أبسط من ذلك كله: أن نعيش بكرامة، وأن يجد الواحد منا حقه دون أن يستهلك عمره في المراجعات، وأن يشعر أن هناك من يسمع صوته حتى قبل أن يضطر إلى رفعه".


نظرت إليه زوجته، وقالت بهدوء: "لكن الرجل الذي قبّل رأس المسؤول ربما فعل ذلك محبةً وتقديرًا، فما ذنبه؟"


ابتسم العم سالم وقال: "ليس عليه ذنب يا امرأة، ولا نريد أن نحاسب الناس على محبتهم. لكنني أتمنى أن نرى يومًا صورةً أخرى؛ مسؤولًا يجلس بين الناس، يسمع شكواهم، ويعتذر لهم حين يقصّر، ويبحث عن حلٍّ لما أثقل حياتهم".


ثم أشار إلى الملف الموضوع على الطاولة، وأضاف: "تخيّلي كم من الملفات تشبه هذا الملف، وكم من الناس يعودون إلى بيوتهم كل يوم بالإجابة نفسها: راجعونا الأسبوع القادم!"


سكت قليلًا، ثم قال: "المسؤولية يا عزيزتي ليست كرسيًا يجلس عليه الإنسان، ولا بابًا يُغلق دونه الناس، ولا تصفيقًا ينتظره حين يدخل. المسؤولية أن يشعر بوجع الناس قبل أن تصله شكواهم، وأن يعرف أن وراء كل طلب حياةً تتعطل، وأسرةً تنتظر، وكرامةً لا ينبغي أن تُترك على مقعد الانتظار".


لم تجبه زوجته. مدت يدها إلى فنجان الشاي، ثم نظرت إلى الملف البني الموضوع على الطاولة.


كان العم سالم قد تعب من كثرة المراجعات، لكنه لم يتعب من الأمل.


وفي الصباح، حمل ملفه من جديد، وأغلق الباب خلفه، ومضى إلى الدائرة.


كان المقعد في الممر لا يزال في مكانه، والناس لا يزالون ينتظرون.


ولعل أجمل صورة يمكن أن نراها يومًا، ليست مواطنًا ينحني أمام مسؤول، بل مسؤولًا يطرق باب مواطن، ويجلس إلى جواره، ويسأله عمّا ينقصه، ثم يقول له: "عذرًا، تأخر حقك... جئت لأعيده إليك".


فالمواطن الذي يحفظ كرامة المسؤول بتقديره، يستحق أن يحفظ المسؤول كرامته بخدمته.


فالمناصب تمضي، والصور تُنسى، أما كرامة الإنسان فلا ينبغي أن تنتظر على مقعدٍ في ممرٍّ طويل.