آخر تحديث :الأحد-08 نوفمبر 2026-10:39م

الدكتورة الراحلة سيلة عوض خميس.. مسيرة أربعة عقود من العطاء تستحق الوفاء والتكريم

الأحد - 08 نوفمبر 2026 - الساعة 09:32 م

عبدالرب راوح
بقلم: عبدالرب راوح
- ارشيف الكاتب

هناك شخصيات لا تُقاس مكانتها بالمناصب التي شغلتها، ولا تُختزل سيرتها في سنوات الخدمة التي قضتها، بل بما تتركه من أثر طيب في حياة الناس، وما تسطره من مواقف إنسانية تظل حاضرة في الذاكرة مهما امتد الزمن.


ومن بين هذه الشخصيات، تبرز الراحلة الدكتورة سيلة عوض خميس، التي كرست قرابة أربعة عقود من حياتها لخدمة المرضى، وجعلت من مهنتها الطبية رسالة إنسانية ووطنية، ظلت تؤديها بإخلاص حتى رحيلها وهي على رأس إدارة مستشفى زنجبار العام.


منذ تخرجها في كلية الطب بجامعة مينسك في بيلاروسيا عام 1986، بدأت الدكتورة سيلة رحلة مهنية حافلة بالعطاء، تنقلت خلالها بين عدد من المرافق الصحية، واضعة خبرتها العلمية والعملية في خدمة المجتمع.


فقد استهلت مشوارها رئيسةً لقسم النساء والولادة بمستشفى الرازي في مدينة جعار، ثم انتقلت للعمل في مستشفى عتق العام بمحافظة شبوة، قبل أن تعود إلى محافظة أبين لتتولى إدارة عدد من الوحدات والمراكز الطبية بمديرية زنجبار، وصولاً إلى إدارة مستشفى زنجبار العام، الذي ظلت تقود العمل فيه حتى أيامها الأخيرة.


ولم تكن هذه المسيرة الطويلة مجرد سنوات قضتها في أداء واجبات وظيفية، بل كانت رحلة متواصلة من البذل والتفاني وتحمل المسؤولية، تركت خلالها بصمات واضحة في نفوس المرضى وزملاء المهنة وكل من عرفها. فقد عُرفت الفقيدة بإخلاصها وحرصها على أداء واجبها، وبما امتلكته من حس إنساني جعلها قريبة من الناس، حاضرة إلى جانبهم في أحلك الظروف، حين كانت الحاجة إلى الرعاية الطبية تشتد وتتعاظم معاناة المرضى.


ومن بين الصفحات الأكثر إشراقاً في سجلها الإنساني، يبرز موقفها الشجاع خلال اجتياح مليشيات الحوثي لمدينة زنجبار، حين اضطر سكان حي سواحل المجاور للمركز الصحي إلى مغادرة منازلهم هرباً من أهوال المواجهات، بينما اختارت الدكتورة سيلة البقاء في موقع عملها، مواصلة تقديم الإسعافات الأولية لجرحى المقاومة والمواطنين، متحدية مخاطر الحرب وقسوة الظروف الأمنية.


كان ذلك موقفاً يتجاوز حدود الواجب المهني، ويعكس إيماناً عميقاً برسالة الطب وقدسية الحياة الإنسانية؛ ففي الوقت الذي دفعت فيه الحرب الأهالي إلى النزوح بحثاً عن الأمان، ظلت هي في موقعها، تؤدي واجبها تجاه الجرحى والمصابين، في مشهد بطولي لا يزال محفوراً في ذاكرة أبناء زنجبار، وشاهداً على شجاعتها ونبل رسالتها.


ولم تتوقف عطاءات الفقيدة عند تلك المحطة، بل واصلت أداء رسالتها الطبية والإدارية في ظروف صحية ومعيشية بالغة التعقيد، وظلت حريصة على استمرارية العمل وتقديم الخدمات للمرضى، حتى في ظل شحة الإمكانات وتراجع قدرات المرافق الصحية.


وهو ما أكسبها احترام وتقدير زملائها ورؤسائها ومرؤوسيها، فضلاً عن المرضى ومرتادي المستشفى الذين عرفوا فيها طبيبة مخلصة وإدارية مسؤولة، لا تتوانى عن بذل ما تستطيع لتحسين مستوى الخدمات الطبية.


إن رحيل الدكتورة سيلة عوض خميس يمثل خسارة كبيرة لمحافظة أبين وقطاعها الصحي، الذي فقد واحدة من أبرز كفاءاته الطبية، وشخصية مهنية راكمت خبرة امتدت لنحو 40 عاماً، وظلت وفية لقسمها الإنساني والمهني حتى آخر أيام حياتها. كما أن ما تركته من مواقف وسيرة عطرة يجعلها واحدة من النماذج النسائية التي تستحق أن تُروى تجربتها للأجيال، وأن تحظى بما يليق بها من تقدير واعتراف.


ومن هذا المنطلق، فإن الوفاء للراحلة لا ينبغي أن يظل حبيس كلمات التأبين وعبارات النعي، بل يجب أن يتحول إلى مبادرة عملية تحفظ مكانتها وتخلد عطاءها. فتكريم الدكتورة سيلة مسؤولية وطنية وإنسانية تقع على عاتق السلطة المحلية بمحافظة أبين، وقيادة مكتب الصحة العامة والسكان، ووزارة الصحة والجهات ذات العلاقة، اعترافاً بمسيرة مهنية وإنسانية امتدت لعقود، وبمواقف جسدت أسمى معاني التضحية والإخلاص.


ألا تستحق طبيبة أفنت زهرة عمرها في خدمة المرضى، وتنقلت بين المرافق الصحية، وتحملت مسؤولية إدارة أحد أهم المستشفيات بالمحافظة حتى آخر أيام حياتها، أن تحظى بتكريم يليق بحجم عطائها؟ أليس من الإنصاف أن يُخلّد اسمها في أحد المرافق الصحية أو أقسام مستشفى زنجبار العام، وأن تُقام فعالية تأبينية تستعرض محطات مسيرتها وتوثق مواقفها الإنسانية والمهنية؟


إن مثل هذه المبادرات ليست تكريماً للراحلة وأسرتها فحسب، بل هي أيضاً رسالة تقدير لكل الكوادر الطبية التي تواصل أداء رسالتها في ظروف صعبة، وتأكيد على أن الإخلاص في خدمة المجتمع لا يمر دون اعتراف، وأن الأوطان التي تقدر عطاء المخلصين هي الأقدر على صناعة نماذج ملهمة للأجيال القادمة.


لقد رحلت الدكتورة سيلة، لكن أثرها لم يرحل، وغابت عن المشهد الطبي، غير أن مواقفها ستظل حاضرة في وجدان من عرفوها وعرفوا قيمة ما قدمته. ومن حق هذه المسيرة أن تُكرّم، ومن واجب أبين أن تحفظ اسم واحدة من نسائها اللواتي وهبن حياتهن لخدمة الإنسان.. رحم الله الفقيدة وأسكنها فسيح جناته والهم أهلها وذويها الصبر والسلوان.