آخر تحديث :الثلاثاء-23 يونيو 2026-01:18م

الصحة بين هدي الوحي وضجيج الوصفات

الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - الساعة 11:25 ص

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

في زمن أصبحت فيه الصحة عنوانا يوميا للنقاش، وهاجسا يسكن البيوت والمجالس؛ يجد الإنسان نفسه محاطا بسيلٍ متدفق من النصائح والوصفات والأنظمة الغذائية المتنافسة؛ فما يكاد يطلع عليه صباح جديد حتى يستقبله مقطع قصير أو منشور متداول أو نظرية مستحدثة تزعم أنها الطريق الأوحد إلى العافية، وأن ما سواها ليس إلا سببا للمرض أو بابا للضرر!


وسط هذا الضجيج المتصاعد تبرز حاجة الإنسان إلى ميزان يزن به ما يسمع، وبوصلةٍ تهديه إلى الحق وسط كثرة الآراء وتضارب التوجهات. وهنا يأتي المنهج الإسلامي ليقدم رؤية متوازنة تجمع بين نور الوحي وصحيح العلم؛ فلا تنساق وراء الانبهار، ولا تنغلق أمام المعرفة؛ بل تجعل العقل شريكا للإيمان، والتثبت رفيقا للبحث.


لقد فطر الله الإنسان على حب الصحة وكراهية المرض، وجعل السعي إلى العافية من مقتضيات حفظ النفس التي كرمها سبحانه. فالإنسان بطبعه يتطلع إلى القوة والنشاط وطول العمر، ويحرص على كل ما يحفظ جسده ويقيه أسباب السقم. ولهذا كانت الصحة من أعظم النعم التي يغفل عن قدرها كثير من الناس، حتى إذا فقدوا شيئاً منها أدركوا قيمتها الحقيقية.


غير أن المشكلة ليست في طلب الصحة؛ وإنما في الطريقة التي نسلكها للوصول إليها. فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات مفتوحة يتحدث فيها الجميع؛ العالم والجاهل، والمتخصص وغير المتخصص، وصاحب الخبرة ومن يفتقر إليها. وأصبح كثير من الناس يتلقون قراراتهم الصحية من مقطع لا يتجاوز دقيقة أو دقيقتين، فينبهرون بأسلوب المتحدث أو شهرته أو عدد متابعيه، ثم يمنحونه ثقتهم دون تمحيص أو مراجعة.


وتزداد المشكلة حين ينجذب الناس إلى الحلول السريعة والوعود المطلقة؛ فيُقال لهم إن غذاءً معينا هو سر الصحة الكاملة، أو إن طعاما بعينه أصل كل الأمراض، أو إن نظاما غذائيا واحدا قادر على علاج مختلف العلل؛ فيندفع البعض خلف هذه الادعاءات مدفوعين بالأمل أو الخوف أو الانبهار، دون أن يسألوا عن الدليل أو يتحققوا من صحة المعلومة.


وهنا يتجلى الفرق بين الوعي الصحي الحقيقي والانبهار العاطفي؛ فالوعي يقوم على التعلم والسؤال والبحث والتثبت، أما الانبهار فيقوم على التسليم للأشخاص والانجذاب إلى الخطاب المؤثر دون نظرٍ في محتواه. ولهذا كان الإسلام دينا يحترم العقل، ويحمّل الإنسان مسؤولية ما يسمع ويعتقد ويعمل.


وصحة الإنسان ليست مجالا للتجارب المرتجلة أو القرارات المتسرعة؛ لأنها تتعلق بأمانة عظيمة أودعها الله بين يديه؛ فجسده أمانة، ونفسه أمانة، وأسرته أمانة، ولا يجوز أن تُبنى القرارات المصيرية المتعلقة بها على موجة إعلامية عابرة أو قصة فردية مؤثرة أو إعجاب بشخصية مشهورة.


ومن المفاهيم التي يكثر الحديث عنها في النقاشات الغذائية المعاصرة مفهوم "الطيبات"، وهو مفهوم قرآني واسع وعميق؛ لا يجوز اختزاله في قائمة محدودة من الأطعمة أو ربطه باجتهاد شخص واحد؛ مهما بلغت خبرته. فالطيبات في التصور الإسلامي تشمل ما أحله الله لعباده وكان نافعا غير خبيث في أصله؛ ولذلك جاءت الشريعة برؤية رحبة تجعل الأصل في الأطعمة والأشربة الإباحة، وتفتح أمام الإنسان أبواب الانتفاع بما خلق الله في الأرض من خيرات واسعة.


ومن هنا كان من الخطأ أن يتحول التفضيل الغذائي الشخصي أو الرأي الصحي الخاص إلى حكم عام يُفرض على الناس جميعا. فقد يناسب طعام شخصا ولا يناسب آخر، وقد يحتاج مريض إلى نظام خاص لا يحتاج إليه غيره، والفرق كبير بين أن يقول الإنسان: "هذا الطعام لا يناسب حالتي"، وبين أن يقول: "هذا الطعام ضار لكل الناس". فالأول تجربة شخصية أو نصيحة خاصة، أما الثاني فحكم عام يحتاج إلى أدلة علمية راسخة ومعايير دقيقة.


ولقد كان الهدي النبوي نموذجا رائعا في الاعتدال والتنوع؛ فلم تُبنَ صحة الإنسان في الإسلام على غذاء واحد، ولم تُحصر العافية في صنف معين من الطعام؛ بل جاءت السنة النبوية مؤكدة على التنوع، ومبينة أن أبواب الرزق التي أباحها الله واسعة ومتعددة، وأن الاعتدال هو الأساس الذي تقوم عليه الحياة الصحية السليمة.


وفي خضم الجدل الدائر حول الغذاء والعلاج؛ تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي قضية الاستدلال بالنصوص الشرعية في المجالات الصحية والطبية. فالقرآن الكريم كتاب هداية ونور وشفاء؛ لكن فهم نصوصه واستنباط الأحكام منها يحتاج إلى علم وضوابط ومنهجية راسخة. وليس كل ما يخطر للإنسان من معان أو استنباطات يصلح أن يُجعل حكما شرعيا أو حقيقة علمية ملزمة للناس.


وقد يقع البعض في بناء تصورات صحية أو غذائية واسعة اعتمادا على فهم خاص لآية أو حديث، ثم يجعل هذا الفهم معيارا للحكم على الآخرين. بينما المنهج العلمي والشرعي الرصين يقتضي الرجوع إلى مجموع النصوص، وفهم العلماء الراسخين، وأهل الاختصاص في كل مجال؛ لأن العلوم لا تؤخذ بالعواطف؛ وإنما تؤخذ من أهلها.


ومن أعظم مظاهر الحكمة في الشريعة الإسلامية أنها أقامت الحياة على مبدأ التخصص؛ فلكل علم أهله، ولكل مجال خبراؤه. فالطبيب يُرجع إليه في الطب، والمهندس في الهندسة، والفقيه في الفقه، والمفسر في التفسير. ولا يمكن أن تستقيم شؤون الحياة؛ إذا ألغى الناس هذا التخصص أو استغنى بعضهم عن بعض.


كما أن الإسلام لا يعادي التجربة ولا يقلل من شأنها؛ لكنه يفرق بين التجربة الفردية والحقيقة العامة. فنجاح طريقة معينة مع شخص لا يعني بالضرورة نجاحها مع الجميع، كما أن فشلها مع آخر لا يعني بطلانها مطلقا؛ ولهذا فإن القصص المؤثرة، مهما كثرت؛ لا تكفي وحدها لبناء قواعد عامة أو إصدار أحكام شاملة.


وفي عصر تنتشر فيه المعلومات بسرعة مذهلة، يصبح التثبت ضرورة لا ترفا؛ فليس كل ما يُنشر صحيحا، وليس كل مشهور مصيبا، وليس كل ما يتداوله الناس حقيقة ثابتة. وكثيرا ما أدت رسائل مجهولة أو مقاطع غير موثقة إلى إرباك المرضى ودفعهم إلى ترك علاجات نافعة أو اتباع ممارسات ضارة.


كما أن من طبيعة العلوم البشرية، وفي مقدمتها الطب، أنها علوم متجددة ومتطورة. فالاختلاف بين المختصين في بعض التفاصيل أمر طبيعي لا يدل على بطلان العلم؛ بل يدل على حيويته واستمرارية البحث فيه. ومن الخطأ أن يجعل الإنسان وجود الخلاف سببا لرفض المعرفة كلها، كما أنه من الخطأ أن يجعل شهرة شخص معين دليلا على صحة كل ما يقول.


إن الحق لا يُعرف بكثرة المتابعين، ولا بقوة الحضور الإعلامي، ولا بارتفاع الأصوات؛ وإنما يُعرف بالدليل والبرهان؛ ولذلك فإن المسلم الواعي يحترم الخبراء دون أن يمنحهم العصمة، ويستفيد من آرائهم دون أن يلغي عقله، ويُحسن الظن بالناس دون أن يتخلى عن التثبت والتمحيص.


ومن القضايا التي تستحق التأمل كذلك أن الشريعة جعلت التحليل والتحريم حقا خالصا لله سبحانه وتعالى؛ فلا يجوز لأحد أن يضيق على الناس ما وسعه الله لهم، أو أن يحول اجتهادا بشريا إلى حكم شرعي عام. فهناك فرق واضح بين النصيحة الطبية الخاصة التي تراعي حالة معينة، وبين الأحكام العامة التي تتعلق بالحلال والحرام.


ولذلك فإن الطبيب قد ينصح مريض السكري بالابتعاد عن بعض الأطعمة، وقد يوصي مريض الحساسية بتجنب أنواع معينة من الغذاء؛ لكن هذا لا يعني أن تلك الأطعمة أصبحت محرمة على الناس كافة، ولا أنها خرجت من دائرة الطيبات التي أباحها الله لعباده.


ومن مقاصد الشريعة العظيمة حفظ النفس الإنسانية؛ ولهذا شرع الإسلام التداوي، وأمر بالأخذ بالأسباب، وربط التوكل بالعمل لا بالتواكل. فالعلاج سبب من الأسباب التي أذن الله بها، والغذاء النافع سبب آخر، والوقاية سبب ثالث، وكلها تتكامل ولا تتعارض.


ومن الخطأ أن ينتقل الإنسان من الإفراط في الاعتماد على الدواء إلى الإفراط في الاعتماد على الغذاء، أو أن يظن أن الطعام وحده قادر على علاج كل الأمراض. فالصحة منظومة متكاملة تتداخل فيها عوامل عديدة؛ منها الوراثة والبيئة والعمر والحالة النفسية ونمط الحياة والعوامل الاجتماعية، فضلا عن الغذاء والعلاج.


ولهذا فإن المنهج الإسلامي لا يقوم على الحلول الأحادية أو النظرات التبسيطية؛ بل يقوم على التوازن والاعتدال؛ فالجسد يحتاج إلى غذاء متنوع، كما يحتاج إلى النوم والراحة والحركة والنشاط. ويحتاج إلى الطمأنينة النفسية بقدر حاجته إلى الطعام والشراب. كما يحتاج إلى العبادة التي تغذي الروح، وإلى العلاقات الاجتماعية السوية التي تمنحه السكينة والاستقرار.


ومن المؤسف أن بعض الناس يتحول حرصهم على الصحة إلى قلق دائم ووسواس مستمر؛ فيعيشون في حالة خوف من الطعام بدلا من الانتفاع به، فينظرون إلى كل وجبة بريبة، ويبحثون في كل لقمة عن خطر محتمل؛ حتى تصبح مائدة الطعام مصدراً للتوتر؛ بدلا من أن تكون موطنا للنعمة والألفة.


والصحة الحقيقية ليست جسدا سليما فحسب؛ بل هي جسد مطمئن، ونفس مستقرة، وعقل متزن، وقلب هادئ. ولهذا فإن التوازن النفسي جزء أصيل من مفهوم العافية في الإسلام، كما أن الطمأنينة والرضا وحسن الصلة بالله من أعظم أسباب القوة والاستقرار.


وينبغي ألا يتحول الإعجاب بالشخصيات المؤثرة إلى تبعية عمياء. فالبشر جميعا؛ يؤخذ من كلامهم ويُرد، ويصيبون ويخطئون. وحسن النية لا يعني العصمة، والإخلاص لا يمنع وقوع الخطأ في الاجتهاد. ومن هنا كانت قيمة المنهج الإسلامي الذي يدعو إلى احترام الأشخاص دون تقديسهم، وإلى مناقشة الأفكار بإنصاف بعيدا عن التعصب والانفعال.


وحين تظهر القضايا الخلافية، تظهر معها أخلاق الناس أيضا؛ فكم من نقاش علمي تحول إلى سخرية أو اتهامات أو خصومات لا مبرر لها! بينما يعلّمنا الإسلام أن الحوار الراقي والإنصاف والاحترام المتبادل هو الطريق الأقرب إلى الوصول للحقيقة.ط؛ فالغاية ليست الانتصار للأشخاص؛ وإنما الانتصار للحق.


وفي النهاية؛ إذا أردنا أن نبحث عن الطريق الأكثر أمانا لبناء الصحة والحفاظ عليها؛ فلن نجد منهجا أعدل من المنهج الإسلامي الذي يجمع بين الغذاء الطيب، والاعتدال في المأكل والمشرب، والنشاط البدني، والراحة الكافية، والصحة النفسية، والتداوي المشروع، والاستفادة من الخبرات الطبية الموثوقة، مع دوام التوكل على الله وحسن الصلة به.


والإسلام لا يدعو إلى الحرمان، ولا إلى الانفلات، ولا إلى الانبهار بالأفكار الطارئة؛ بل يدعو إلى التوازن الذي يحفظ للإنسان دينه وعقله وجسده. ومن هنا كانت الحكمة أن نفرق دائما بين الوحي والاجتهاد، وبين الحقائق الراسخة والآراء القابلة للنقاش، وأن نجعل من التثبت والاعتدال منهجا دائما في تعاملنا مع كل ما نسمع ونقرأ ونشاهد.

بذلك تتحقق العافية الحقيقية؛ عافية الجسد، وسلامة العقل، وطمأنينة القلب، وصلاح الدنيا والآخرة.


نسأل الله أن يوفق العلماء والدعاة والأطباء وأهل الاختصاص لكل خير، وأن يعنهم على أداء الأمانة، وأن يجري الحق على ألسنتهم، وينفع بهم البلاد والعباد. ودمتم سالمين!