الاحتجاج السلمي حق مكفول، وأداة ضغط حضارية لإصلاح الاعوجاج وحماية الحقوق. لكن عندما تتحول ساحة المطالب المشروعة إلى منصة لتصفية الحسابات واستهداف الأشخاص، تفقد الاحتجاجات قيمتها وتتحول من وسيلة للإصلاح إلى عبء يعمق الأزمة.
ما حدث أمس أمام مكتب مأمور مديرية خنفر المحامي مازن اليوسفي نموذج يحتاج للتوقف عنده. الفعالية خرجت بمطالب بعضها مشروع ويعكس معاناة حقيقية يعيشها أبناء الحصن وخنفر عموماً. لكن البيان الختامي وما سبقه من تحشيد يثير سؤالاً جوهرياً: هل الهدف إصلاح الخلل، أم جعل شخص بعينه هدفاً وتحميله مسؤولية تراكمات سنوات؟
1. مشكلة الصرف الصحي: أين يقع الخلل الحقي؟
أثار البيان مشكلة مياه الصرف الصحي وتخريب المناهل. وهنا يجب الفصل بين التشخيص والحل.
ما رصده عمال الصرف الصحي بحضور الأخ أسامة الموقري من إخراج "جواني" معبأة بالحجارة من داخل المناهل يكشف أن جزءاً من المشكلة فعل تخريبي متعمد. السؤال المنطقي: من وضع هذه الأحجار؟ ولماذا يصمت أبناء المنطقة عندما يتم ردم المناهل؟
لا يمكن الحديث عن إصلاح الخدمات دون مشاركة مجتمعية تحمي ما يُنجز. أمن المنطقة واستقرار خدماتها لن يتحقق بقرار إداري وحده، بل بتضافر جهود السلطة المحلية والأمن والمجتمع. تحميل المأمور وحده مسؤولية تخريب يقوم به مجهولون هو اختزال مخل للمشكلة.
2. مركز شرطة الحصن: مسؤولية من؟
مطلب إعادة بناء مركز الشرطة مطلب مشروع، لكن خلط المسؤوليات يضلل النقاش. بناء مراكز الشرطة من اختصاص وزارة الداخلية. ومركز شرطة الحصن كان من المباني المؤممة، وأعيد لمالكه الشرعي بحكم قضائي.
الموقف السليم هنا هو توحيد الصوت: ضغط مشترك من السلطة المحلية والمجتمع على وزارة الداخلية لاعتماد مركز جديد يتوسط مناطق الحصن والرواء وحلمه، بدل تحويله إلى سجال ضد المأمور.
3. سوق القات: أمن الناس قبل مصلحة المقاوته
سوق القات في الحصن نقطة توتر أمني ومروري وبيئي معروفة. نقل السوق من وسط السوق جاء بعد شجار راح ضحيته مواطن بري لا علاقة له بالنزاع.
وعندما نُقل السوق إلى جوار الخط الرئيسي أصبح خطراً على حياة المارة بسبب مرور قاطرات الأسمنت وتكرار الحوادث على طريق الحصن-باتيس. حرصاً على السلامة، أنشأت السلطة المحلية سوقاً جديداً أكثر تنظيماً وأمناً.
غضب بعض المقاوته من النقل مفهوم اقتصادياً، لكن استغلال غضبهم وتمويل تظاهرة وتوظيف معاناة الناس لفرض سوق في موقع خطير هو استثمار في الأزمة، لا حل لها. الأدهى أن بعض الداعين لم يتحدثوا عن فساد أو سرقة مال عام، بل عن خدمات تعاني منها أبين كلها، ويعمل الجميع على حلها.
4. ما أُنجز لا يلغى بسبب ضجيج المرحلة
من الإنصاف ذكر أن السلطة المحلية في خنفر بقيادة المحامي مازن اليوسفي أنجزت ملفات عملية ملموسة:
- إعادة سفلتة طريق جعار-باتيس بعد سنوات من الوعورة.
- دعم المراكز الأمنية والرياضة.
- تنظيم الأسواق.
- حل أجزاء كبيرة من مشاكل الصرف الصحي في مناطق عدة، منها الحصن التي تتعرض مناهلها لأعمال تخريبية متكررة.
هذه الأعمال لا تعني أن المشاكل انتهت، لكنها تثبت أن هناك حراكاً إدارياً قائماً، ويحتاج إلى سند مجتمعي لا إلى تعطيل.
ختاماً: دعوة للعقلاء قبل فوات الفرصة
أدعو أبناء الحصن إلى توخي الحذر من الدعوات المشبوهة التي تستغل معاناتهم لزعزعة أمن واستقرار المديرية. المطالب المشروعة لا تُنتزع بالضجيج، بل بالحوار المنظم.
ومكتب المأمور مفتوح للجميع. على مشايخ وعقلاء الحصن تبني مشاكل أبنائهم والجلوس مع السلطة المحلية لمعالجة أي خلل بخطوات عملية قابلة للقياس.
الاحتجاج الذي يستهدف الإصلاح يقوي الدولة ويصلحها. أما الاحتجاج الذي يُستغل لاستهداف الأشخاص وفرض أمر واقع يهدد السلامة العامة، فهو يخدم من لا يريد للمديرية أن تستقر.
والسؤال المفتوح أمام الجميع: هل نريد حل المشكلات، أم صناعة أزمة جديدة فوق الأزمات؟