آخر تحديث :الإثنين-22 يونيو 2026-11:36م

العراده.. شخصية استثنائية في مواجهة التحديات والمكايدات

الإثنين - 22 يونيو 2026 - الساعة 10:07 م

الوعيلي الأغبس
بقلم: الوعيلي الأغبس
- ارشيف الكاتب

تمثل شخصية الشيخ سلطان بن علي العرادة نموذجًا قياديًا حظي بقدر واسع من التوافق والقبول، لما اتسمت به تجربته من حكمة في إدارة مرحلة استثنائية، وقدرة على التعامل مع تحديات معقدة فرضتها الظروف التي مرت بها البلاد منذ انقلاب الميليشيات الحوثية على مؤسسات الدولة وسيطرتها على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية.


وفي الوقت الذي كانت فيه تلك الميليشيات تعيش حالة من الانتفاش الوهمي، برز الشيخ سلطان العرادة متحملاً مسؤولية وطنية جسيمة، واضعًا نصب عينيه حماية الجمهورية والدفاع عن مشروع الدولة. فكان من أوائل من أسهموا في تأسيس نواة المقاومة الشعبية، والمشاركة في وضع اللبنات الأولى لبناء الجيش الوطني، في ظل ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية شديدة التعقيد.


ولم تكن هذه المهمة مهيأة لنجاح سريع، إلا أن ما امتلكه من رؤية قيادية وحكمة إدارية وقدرة على توحيد الجهود، مكّنه من تجاوز الكثير من التحديات. كما أسهم بصورة فاعلة في رسم الخطط والتكتيكات الدفاعية التي عززت صمود محافظة مأرب، وحولتها إلى نموذج وطني للمقاومة والثبات.


ومن أبرز التحديات التي واجهته ضيق الوقت واتساع المسؤوليات؛ فقد كان يؤدي أدوارًا متعددة ومتزامنة، إداريًا يتابع شؤون المحافظة ومؤسساتها، وقياديًا يواكب المستجدات العسكرية والأمنية، وبين هذا وذاك يشرف على التوجيه والتقييم والتخطيط، ويجري الاتصالات اللازمة مع مختلف الأطراف في الداخل والخارج، ساعيًا إلى صناعة التفاهم والانسجام بين القوى الوطنية المختلفة.


وعلى الصعيد السياسي، عمل على توحيد مواقف المكونات الوطنية، حيث انطلقت الأحزاب السياسية في مأرب برؤية مشتركة وهدف واضح يتمثل في مقاومة الانقلاب واستعادة الدولة. كما أولى اهتمامًا بالجانب الاجتماعي، فعمل على تحييد الخلافات والصراعات والثارات القبلية، وتوجيه الجهود نحو معركة الدفاع عن الجمهورية، تحت شعار أن العدو واحد، وأن حماية الأرض والكرامة مسؤولية جماعية.


وفي الوقت ذاته، استقبلت مأرب أحرار اليمن من مختلف المحافظات، لتتحول إلى مساحة جامعة لكل المؤمنين بالمشروع الجمهوري، وعمل الشيخ سلطان العرادة على توحيد ودمج الصف الوطني في معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسساتها.


وعلى الجانب التنموي، لم تقتصر جهوده على إدارة المعركة العسكرية، بل امتدت إلى بناء الإنسان والمكان، حيث شهدت المحافظة نهضة ملحوظة في مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، بالتوازي مع جهود سياسية واتصالات إقليمية ودولية هدفت إلى تقريب وجهات النظر وتعزيز التوافق الوطني.



وفي الوقت الذي كانت فيه مدينة مأرب تتعرض للاستهداف المستمر بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كانت عجلة البناء والتنمية تمضي بثبات، في تجسيد عملي لشعار: "يد تبني ويد تحمي". فلم تمنعه التحديات الأمنية من مواصلة العمل لبناء محافظة آمنة ومستقرة، قادرة على احتضان مئات الآلاف من النازحين الذين اختاروا العيش بحرية وكرامة، وقدموا التضحيات في سبيل الحفاظ على مشروع الدولة والجمهورية.


لقد تحولت مأرب إلى نموذج وطني للتعايش والصمود، ورسالة أمل تؤكد قدرة اليمنيين على صناعة المستقبل رغم قسوة الظروف، وأن التضحيات التي قدمها أبناء اليمن لم تكن إلا دفاعًا عن وطن يتسع لجميع أبنائه، قائم على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.



وحينما أسهبت في الحديث عن بعض أدوار الشيخ سلطان بن علي العرادة، فإنني لا أقصد بذلك مدحًا شخصيًا أو ثناءً عليه، فهو في غنى عن ذلك، ولم يكن يومًا باحثًا عن الإشادة أو السعي وراء عبارات الإطراء. كما أنه ليس بمقدور كاتب، مهما أوتي من قدرة على التعبير، أن يحيط بكل ما أنجزه الرجل خلال سنوات حمل فيها أعباء مرحلة استثنائية بكل ما فيها من تعقيدات وتحديات.


إن ما أوردته ليس سوى خلفية ضرورية لما أود إيصاله إلى أولئك الذين يوجهون سهام النقد والاتهامات والتحامل إلى نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الشيخ سلطان بن علي العرادة، عبر اتخاذهم من أداء السلطة المحلية أو المؤسسة العسكرية أو البنية التحتية أو غيرها من الملفات مدخلًا لتحقيق ذلك.


فالنقد الموضوعي والبنّاء حق مشروع، بل ضرورة لتصحيح المسار وتعزيز الأداء، غير أن تحويله إلى وسيلة للهدم والتشكيك والتقليل من حجم الإنجازات المتحققة، يبعث برسائل تخدم – بقصد أو دون قصد -أطرافًا ما زالت تعمل على استهداف مأرب عسكريًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.


ورغم محاولات البعض الإيحاء بأن الشيخ سلطان العرادة ليس المقصود بشكل مباشر بهذا النقد، إلا أن الاستهداف المتكرر لكل ما تمثله مأرب من تجربة صمود وبناء واستقرار، إنما يصيب في جوهره الشخصية التي قادت هذه المرحلة وتحملت مسؤولياتها.


إن الإنصاف يقتضي قراءة التجربة بكل أبعادها، والتمييز بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح والتطوير، وبين الخطاب الذي يسعى إلى التقليل من حجم التضحيات والإنجازات، أو تحميل شخص واحد مسؤولية كل التحديات والإخفاقات، متجاهلًا حجم التعقيدات والتحديات التي أحاطت بالمشهد اليمني بأكمله.


لقد كانت مأرب، بقيادتها ومؤسساتها وأبنائها، عنوانًا للصمود الوطني، وأثبتت أن الإرادة الصلبة والرؤية الواضحة قادرتان على صناعة الفارق مهما عظمت التحديات. ومن يتأمل هذه التجربة بموضوعية سيدرك أن من كان يمسك بمقود سفينة النجاة وسط الأمواج العاتية، لم يكن بحاجة إلى المديح بقدر حاجته إلى الإنصاف في قراءة الوقائع والأحداث بعيدًا عن المكايدات والأحكام المسبقة.