آخر تحديث :السبت-07 نوفمبر 2026-08:18م
أخبار وتقارير

الري السيلي في دلتا أبين.. شرايين تمنح الأرض حياة

الري السيلي في دلتا أبين.. شرايين تمنح الأرض حياة
السبت - 07 نوفمبر 2026 - 07:32 م بتوقيت عدن
- باب نيوز _ تقرير _ ابتسام الناصر

إنها ليست مجرد قنوات تنقل المياه من مكان إلى آخر، بل منظومة هندسية وبيئية واجتماعية متكاملة، ارتبطت بتاريخ الزراعة والاستقرار المعيشي في محافظة أبين، وأصبحت أحد أهم مقومات النشاط الزراعي فيها.


وتعتبر شبكة الري السيلي في دلتا أبين، منظومة ري تحمل ابعاد تصميمية فنية مستوحاة من أنظمة طبيعية متقنة، تشبه في امتداداتها وتفرعاتها جهاز الدورة الدموية في جسم الإنسان؛ فكما تتوزع الدماء عبر الشرايين والأوردة لتغذية الأعضاء والخلايا، تتوزع مياه السيول عبر القنوات والمجاري لتروي الأراضي الزراعية وتمنحها أسباب الحياة والإنتاج.




منظومة مائية ذات أهمية استراتيجية


تُعد دلتا أبين، الواقعة جنوب اليمن، من المناطق الزراعية المهمة التي تعتمد على مياه السيول الموسمية القادمة عبر الأودية، وفي مقدمتها وادي بنا ووادي حسان، إلى جانب الاستفادة من المياه الجوفية.


وتشير دراسة علمية منشورة عام 2018 في مجلة Water بعنوان محاكاة توزيع المياه وقرارات المحاصيل في نظام الري السيلي بدلتا أبين في اليمن ، إلى أن دلتا أبين تمتلك إمكانات زراعية كبيرة، وأن نظام الري فيها يعتمد على تحويل مياه السيول وتوزيعها عبر منشآت مائية وقنوات متصلة تخدم المساحات الزراعية.


وتوضح الدراسة أن وادي بنا يضم خمس منشآت تحويلية رئيسية (هدارات)، تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم تحويل المياه وتوجيهها إلى قنوات الري والمناطق الزراعية المختلفة.


كما تقدر الدراسة المساحة القابلة للري في الدلتا بنحو 40 ألف هكتار، وهو ما يعكس حجم الأهمية الاقتصادية والبيئية لهذه الشبكة.


وهنا تتجلى حقيقة مهمة,هي إن كفاءة شبكة الري لا تقاس فقط بكمية المياه التي تصل إليها، بل بقدرتها على توزيعها بصورة مناسبة وعادلة، وفي التوقيت الذي تحتاجه الأراضي والمحاصيل.


دورة مائية في شرايين الدلتا


يقول الخبير الزراعي عبدالقادر السميطي، العمل الهندسي نجح في تصميم شبكة الري وفق تركيبة تشبه الدورة الدموية في الإنسان من حيث منظومة مترابطة من القلب والشرايين والأوردة والشعيرات الدموية، تعمل جميعها على إيصال الأكسجين والمواد الغذائية إلى أنسجة الجسم، والتخلص من الفضلات الناتجة عن عمليات الأيض.


ويشير السميطي ان شبكة الري السيلي تعمل وفق مبدأ هندسي مشابه من حيث نقل المياه وتوزيعها, إذ تستقبل مياه السيول من الأودية، ثم توجهها المنشآت التحويلية إلى القنوات الرئيسية والفرعية، ومنها إلى الأراضي الزراعية.


يتركز التشابه في الاداء من حيث ما تقوم به القنوات الرئيسية تمثل الشرايين الكبرى التي تنقل المياه إلى مناطق واسعة، فيما القنوات الفرعية تشبه الأوعية المتفرعة التي توصل المياه إلى المساحات الزراعية الأصغر.


اما الحقول والتربة الزراعية فهي الوجهة النهائية التي تستقبل المياه وتستفيد منها في نمو المحاصيل وإنتاج الغذاء.


وبهذا المعنى، فإن الماء بالنسبة للأرض يشبه الدم بالنسبة للجسد؛ فكلاهما يؤدي وظيفة حيوية لا يمكن الاستغناء عنها.


انسداد القنوات.. خلل في منظومة الحياة والإنتاج


إذا كان انسداد أحد الشرايين قد يؤدي إلى اضطراب تدفق الدم وحرمان الأنسجة من الأكسجين، فإن تراكم الرواسب أو حدوث تلف في قنوات الري قد يؤدي إلى تقليل كفاءة تدفق المياه وحرمان بعض الأراضي الزراعية من احتياجاتها المائية.


وتزداد خطورة المشكلة عندما تكون القنوات جزءاً من شبكة مترابطة؛ لأن الخلل في أحد مساراتها قد ينعكس على المناطق التي تعتمد عليه، خصوصاً في مواسم السيول التي تتطلب سرعة الاستفادة من المياه وتوجيهها.


وتشمل أبرز المشكلات التي تهدد كفاءة هذه الشبكة تراكم الطمي والرواسب، ونمو الحشائش داخل بعض المجاري، وتضرر المنشآت التحويلية، وتآكل جوانب القنوات، إضافة إلى التعديات والعوائق التي قد تغير مسارات المياه أو تحد من وصولها إلى الأراضي المستفيدة.


لكن من المهم علمياً التمييز بين الرواسب الضارة التي تتراكم داخل القنوات وتعيق جريان المياه، وبين الغرين والطمي الذي تحمله السيول بصورة طبيعية، إذ يمكن أن يسهم ترسيبه في الحقول في تجديد خصوبة التربة وإضافة المواد الدقيقة إليها.


وهذا ما تؤكده مراجع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) حول إدارة أنظمة الري السيلي، التي توضح أن الرواسب الدقيقة المحمولة مع مياه الفيضانات قد تؤدي دوراً إيجابياً في المحافظة على خصوبة الأراضي الزراعية، ما يستدعي إدارة الرواسب بعناية، لا التعامل معها باعتبارها كلها مواد ضارة.


ماذا تقول الدراسات عن واقع المياه في دلتا أبين؟


لا تقتصر أهمية الشبكة على الجانب الهندسي، بل ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية.


ففي دراسة منشورة عام 2018 في مجلة Water، تناول الباحثون أثر أنماط توزيع مياه السيول على الإنتاج الزراعي في دلتا أبين، من خلال نموذج يربط بين تدفق المياه وتوزيعها ورطوبة التربة وإنتاجية المحاصيل والقرارات الزراعية للمزارعين.


وخلصت الدراسة إلى أن طريقة توزيع المياه بين المناطق الواقعة أعلى الوادي وأسفله تؤثر بصورة ملموسة في حجم المياه التي تحصل عليها الأراضي، وفي القرارات الزراعية والعوائد الاقتصادية للمزارعين.


وأشارت نتائجها إلى أن تقاسم النقص المائي بصورة نسبية بين القنوات يمثل خياراً أفضل للحد من الخسائر التي قد يتعرض لها دخل المزارعين، مقارنة بأنماط التوزيع التي تمنح الأولوية لمناطق على حساب أخرى.


وفي دراسة أخرى نشرتها مجلة جامعة صنعاء للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا في 31 ديسمبر 2024، بعنوان تحسين جدولة الري لزراعة الطماطم باستخدام نموذج CROPWAT 8 في الجزء السفلي من وادي بنا بدلتا أبين ، استخدم الباحثون نموذجاً علمياً لتحديد الاحتياجات المائية للمحصول ومواعيد الري المناسبة.


وقدرت الدراسة إجمالي الاحتياجات المائية لمحصول الطماطم خلال الموسم الزراعي بنحو 625.9 ملم، كما رصدت اختلاف الاحتياجات اليومية للمحصول تبعاً للظروف المناخية ومراحل النمو.


وتؤكد هذه النتائج أن إدارة المياه لا تتعلق بمجرد إيصالها إلى الحقول، بل تتطلب معرفة دقيقة بكميات المياه المطلوبة، وتوقيت توزيعها، وطبيعة المحصول والتربة والظروف المناخية.


الصيانة الدورية.. ضرورة وليست خياراً


إن المحافظة على شبكة الري السيلي تتطلب الانتقال من التعامل معها باعتبارها منشآت مائية موسمية إلى اعتبارها بنية تحتية استراتيجية تحتاج إلى إدارة وصيانة مستمرتين.


وتشمل الأولويات الضرورية ، تنفيذ أعمال التفقد الدوري للقنوات الرئيسية والفرعية والمنشآت التحويلية، ورصد أي تلف أو عوائق تؤثر في حركة المياه ،و إزالة الترسبات التي تعيق الجريان، مع المحافظة على الرواسب النافعة وإدارتها بطريقة علمية، إضافة الى ترميم الأجزاء المتضررة وحماية جوانب القنوات من الانجراف والتآكل ،استخدام وسائل القياس والمراقبة الحديثة لمتابعة تدفقات المياه وكميات الأمطار والسيول وتنظيم توزيع المياه بين المناطق الزراعية بما يضمن حقوق المستفيدين في أعلى الوادي وأسفله ،وكما أن إشراك المزارعين والمجتمعات المحلية في حماية الشبكة والإبلاغ عن الأضرار والتعديات.


وفي هذا السياق، يؤكد تقرير تقييم النزاعات المرتبطة بالمياه في اليمن، الصادر عام 2023 ضمن برنامج الصمود في قطاع الري والزراعة، بالشراكة بين منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أهمية التخطيط المائي على مستوى الحوض بأكمله، وتعزيز جمع البيانات ومراقبة الموارد، وتفعيل جمعيات مستخدمي المياه وآليات تسوية الخلافات.


الأمن المائي يبدأ من حماية قنوات الري


ونتيجة للدور الذي تقوم به الشبكة في انتعاش المحاصيل الزراعية في دلتا أبين، يتحتم على الجهات المسؤولة الحفاظ عليها وتقديم الصيانة اللازمة لها بما يضمن استدامة اداءها في رفد الاقتصاد المحلية بشكل إيجابي، وتبرز أهمية تبني الجهات المعنية رؤية متكاملة لإعادة تأهيل شبكة الري وصيانتها، تستند إلى الدراسات الهيدرولوجية والهندسية، وتستفيد من التقنيات الحديثة، وتضع المصلحة العامة وحقوق المزارعين في مقدمة أولوياتها.