آخر تحديث :الجمعة-06 نوفمبر 2026-09:48ص

منتهى الخذلان.....بداية الفرج

الجمعة - 06 نوفمبر 2026 - الساعة 09:39 ص

د. سعيد الحرباجي
بقلم: د. سعيد الحرباجي
- ارشيف الكاتب

ليست أشدّ ساعات المحنة هي تلك التي يشتد فيها بطش الظالم، أو تتكاثر فيها جحافل الباطل، أو تضيق فيها الأرض على أصحاب الحق...


إنما أشدّها وطأة تلك اللحظة التي يلتفت فيها المظلوم حوله، فلا يجد إلا وجوهاً غابت عنها المروءة، ووعوداً تبخرت عند أول امتحان، ومواقف انكفأت حين أصبح الوفاء مكلفاً.


ولكن :

أليست هذه اللحظة بكل ما تحمله من وجع وانكسار، هي اللحظة التي ينكشف فيها معدن الإيمان، وتتجلى فيها حقيقة الاعتماد على الله؟


يُنسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قول عميق الدلالة:

«عندما ينقطع الرجاء من الخلق يأتي الفرج».


وهي عبارة تختصر معنى جليلاً من معاني الإيمان بسنن الله في الصراع بين الحق والباطل...

فحين تسقط الرهانات على البشر، وتتبدد الأوهام، وتنكشف حقيقة المواقف، لا يكون ذلك بالضرورة نهاية الطريق، بل قد يكون بداية التحول الذي لا تملكه حسابات السياسة، ولا تتحكم فيه موازين القوة.


إن الباطل، مهما انتفش وتجبر، ومهما استعلى في الأرض، ومهما امتلك من أدوات البطش والتضليل إلا أنه يظل باطلاً.


والحق :

في المقابل لا يستمد حقيقته من كثرة أنصاره، ولا من حجم الدعم الذي يتلقاه، ولا من تصفيق العالم له....

إنه حق لأنه حق، وعدل لأنه عدل.

ولذلك قد يُحاصر أصحابه، وتشتد عليهم المحن، وتتراجع عن نصرتهم قوى كثيرة...

ولكن : ذلك لا يغير من حقيقة قضيتهم شيئاً.

فالحق لا يموت لأن الناس خذلوه، والباطل لا يصبح حقاً لأن الناس سكتوا عنه.


وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن يدركها اليمنيون اليوم...

فقد طالت المحنة، وتراكمت الخيبات، وأصبح الوطن يرزح تحت أثقال الانقلاب والحرب والتشظي...


فيما تتنازع بعض القوى السياسية حسابات المصالح والنفوذ، وكأن استعادة الدولة قضية قابلة للتأجيل، وكأن معاناة الناس تفصيل صغير في معادلة السلطة!


وفي قلب هذه المأساة تقف الحالمة تعز...

تلك المدينة التي اختارت الصمود حين كان الصمود مكلفاً، ودفعت من دماء أبنائها وأمنها واستقرارها ثمناً باهظاً لتمسكها بحريتها وكرامتها.



ولكن ما يوجع تعز اليوم ليس حصار الخصم وحده ....

بل ذلك الشعور المرير بأن تضحياتها لم تجد دائماً ما تستحقه من الوفاء، وأن المدينة التي ظلت في مقدمة المواجهة وجدت نفسها أحياناً في مؤخرة الاهتمام.


فأيّ عدالة سياسية هذه التي تطلب من مدينة أن تواصل التضحية، ولا تطالب أصحاب القرار بأن يؤدوا واجبهم؟

وليس حال تعز إلا صورة مكثفة لمحنة اليمن كله......

وطن أنهكته سنوات الصراع، وتآكلت فيه الثقة، وأصبح المواطن فيه يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، فيما تتسع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي.


ومع ذلك:

فإن اليأس ليس قدراً، والخذلان ليس نهاية الطريق.

فحين تبلغ المحنة ذروتها، وتضيق الأسباب.... ينبغي أن نتذكر قول الله تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.


فيا لها من لحظة مهيبة!!!!

تبلغ فيها المحنة أقصى مداها، وتتوارى الأسباب التي تعلق بها الناس، ثم يأتي نصر الله.

لا وفق حسابات البشر، ولا بحسب مواعيد المتخاذلين.... وإنما وفق حكمة الله وتقديره.


وكأنما يريد الله أن تتجرد القلوب من أوهام الاتكاء على الخلق، وأن تدرك أن القوة الحقيقية ليست فيما يملكه الناس من أسباب، بل فيمن بيده ملكوت الأسباب كلها.


وليس معنى ذلك أن نلقي بالأسباب جانباً... بل أن نمضي في طريق الحق بكل ما نملك من قوة وإرادة.

فلا تغتروا بطول عمر الباطل، ولا تظنوا أن صمت العالم شهادة براءة له، ولا تحسبوا أن تخلي بعض البشر عن أصحاب الحق يعني أن الله قد تخلى عنهم.


فكم من قوة بدت عصية على الانكسار ثم تهاوت، وكم من مظلوم ظن الناس أن قضيته قد طُويت، فإذا بها تعود أكثر حضوراً وأعمق أثراً.


إن للظلم نهاية، وإن للطغيان ساعة انكسار، وإن للحق موعداً مع الفرج، وإن تأخر في حسابات المستعجلين.