لم تجف دموع شبوة بعد، ولم تكن أمهات الشهداء قد اعتدن غياب أبنائهن، حتى جاء الخبر من الضالع.
فاجعة جديدة، ودماء جديدة، وأسرٌ أُضيفت إلى قائمة الانتظار والخوف والفقد. شباب خرجوا من بيوتهم وفي أذهانهم ما يشغل كل شاب في مقتبل العمر؛ أحلام صغيرة، وآمال مؤجلة، ووعود بالعودة. لكن بعضهم لم يعد، وبعضهم عاد محمولًا على أكتاف الآخرين، فيما لا تزال أسر تنتظر أخبارًا عن أبنائها بين المستشفيات وأبواب الأمل والقلق.
صباح الأربعاء، استُهدف معسكر العللة التدريبي في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، بينما كان أفراد مستجدون يتجمعون للتدريب. تحوّل المكان في لحظات إلى مشهد من الدمار والدماء، وسقط شهداء وأُصيب العشرات، لتجد المحافظة نفسها أمام مأساة جديدة، وتجد أسر الضحايا نفسها أمام سؤال موجع لا يملك أحد جوابًا يخفف وقعه: لماذا عاد أبناؤنا من أحلامهم إلى بيوتنا في خبر استشهاد؟
إنها الضالع، التي عرفت من الحرب ما يكفي، ولم تكن بحاجة إلى وجع جديد يضاف إلى ذاكرة أبنائها المثقلة بالخسارات.
لكن ما يجعل هذه الفاجعة أشد إيلامًا أنها جاءت بعد نزيف شبوة، وبعد استهداف معسكر العلم وما خلّفه من شهداء وجرحى. وكأن المأساة الأولى لم تمنح أحدًا الوقت الكافي لالتقاط الأنفاس، حتى جاءت الثانية لتقول إن نزيف هذا الوطن لم يتوقف، وإن الدم اليمني ما زال يدفع ثمنًا باهظًا في كل مرة.
وهنا لا بد أن نسأل: ماذا بقي من فاجعة شبوة في ذاكرة المسؤولين؟ وما الذي تغيّر بعدها؟ وهل جرى تقييم المخاطر ومراجعة إجراءات الحماية في مواقع التدريب والتجمعات العسكرية؟ أم أن دماء الشهداء تحولت، مرة أخرى، إلى خبر عاجل، ثم إلى بيان عزاء، ثم إلى ذكرى مؤلمة لا يتذكرها الناس إلا حين تقع فاجعة أخرى؟
إن استهداف معسكر العللة بالصواريخ جريمة تستوجب إدانة واضحة، وموقفًا لا يلتبس فيه الحق بالاعتبارات السياسية. فمهما اختلفت الأطراف، ومهما اشتد الصراع، لا يجوز أن تصبح أرواح اليمنيين أهدافًا سهلة في معركة لا تنتهي، ولا أن يُنظر إلى سقوط الشهداء والجرحى باعتباره مجرد تفصيل آخر في مشهد الحرب.
لكن الوقوف عند إدانة الهجوم وحدها لا يكفي. فهناك مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بحماية الأفراد، والاستعداد للمخاطر، واتخاذ التدابير التي تحول دون تعريضهم لمثل هذه الكوارث. ومن حق أسر الضحايا، ومن حق الرأي العام، أن يعرفوا كيف وقعت الفاجعة، وما الإجراءات التي كانت قائمة لحماية الموجودين في المعسكر، وهل كانت هناك أوجه قصور أو تحذيرات لم يُتعامل معها كما ينبغي؟
هذه ليست أسئلة لتوزيع الاتهامات، ولا محاولة للانتقاص من تضحيات الشهداء، بل هي أسئلة يفرضها احترام تلك التضحيات. فمن حق من فقد ابنه أن يعرف الحقيقة، ومن حق الجريح أن يجد الرعاية، ومن حق كل شاب يذهب إلى معسكر للتدريب أن يثق بأن حياته ليست أمرًا يمكن التفريط فيه أو تركه للمصادفة.
ولعل ما يغيب عن كثير من الحسابات أن وراء كل اسم في قائمة الشهداء حكاية لا يعرفها الناس كاملة. هناك أمّ كانت تنتظر اتصالًا من ابنها، وأبٌ كان يتمنى أن يراه يعود ليحكي له كيف مضى يومه، وأخوة اعتادوا وجوده بينهم، وبيت كان له فيه مكان وصوت وذكريات. وهناك أحلام لم تكتمل، وأيام كان ينبغي أن تأتي، وأسر لم تكن تتخيل أن يتحول انتظارها إلى عزاء.
هؤلاء ليسوا أرقامًا في حصيلة ضحايا، ولا أسماء تُقرأ في نشرات الأخبار ثم تُطوى صفحاتها. إنهم أبناء هذا البلد، ومن حقهم أن تُصان حياتهم، ومن حق أسرهم ألا تُترك وحدها في مواجهة الفقد.
والضالع ليست وحدها في هذا الوجع، كما لم تكن شبوة وحدها من قبل. فحين تنزف محافظة، ثم تلحق بها أخرى، فإن الوطن كله ينزف. وحين تفقد أمٌّ ابنها في شبوة، ثم تفقد أمٌّ أخرى ابنها في الضالع، فإن المسافة بين المحافظتين لا تعود مهمة بقدر ما يصبح الألم واحدًا، والأسئلة واحدة، والخوف من تكرار المأساة حاضرًا في كل بيت.
كم نحتاج اليوم إلى أن ندرك أن قيمة الإنسان اليمني لا تتغير بتغير محافظته، ولا انتمائه، ولا موقعه في خريطة الصراع. فدماء أبناء شبوة والضالع وعدن وأبين وتعز وصنعاء وسائر المحافظات ليست دماءً متفرقة؛ إنها دماء وطن واحد، ووجع أسرٍ لا ينبغي أن يُترك ليتكرر بلا نهاية.
إلى أمهات الشهداء وآبائهم وأسرهم في الضالع: لا توجد كلمات تعيد إليكم أبناءكم، ولا عبارة تستطيع أن تملأ المكان الذي تركوه خلفهم. لكن من حقكم ألا يُنسى أبناؤكم، وألا تتحول تضحياتهم إلى مناسبة عابرة، وأن تجدوا من يقف إلى جانبكم بالفعل، لا بالكلمات وحدها.
رحم الله شهداء الضالع وشهداء شبوة وكل شهداء اليمن، وشفى الجرحى، وربط على قلوب أسرهم وذويهم.
فبعد نزيف شبوة، تنزف الضالع، وينزف الوطن... وما أقسى أن يظل اليمن يفقد أبناءه، بينما لا يزال السؤال نفسه يتكرر: من سيحمي من بقي منهم؟