من الأزهر قبل قرنين؛ أبيات شعرية تختصر فلسفة البحث العلمي وتكشف أن المنهجية ليست وليدة الجامعات الحديثة.
حسن الكنزلي
ثمة أبيات شعرية قد تمر على أذن الطالب في قاعة الدرس مرورا عابرا، فيحفظها ليمضي إلى ما بعدها، دون أن يدرك أنه يحمل بين يديه خلاصة تجربة علمية امتدت قرونا، ودستورا معرفيا يختصر أسئلة كبرى لا تزال الجامعات اليوم تخصص لها مقررات كاملة، وتفرد لها صفحات طويلة في خطط الماجستير والدكتوراه.
إنها أبيات العلامة الأزهري محمد علي الصبّان، الذي رحل في القرن الثالث عشر الهجري، تاركا منظومة صغيرة في حجمها، عظيمة في دلالتها، لخص فيها ما عُرف عند علماء الإسلام بمبادئ العلوم العشرة:
إنَّ مبادئَ كلِّ فنٍّ عشرةْ ** الحدُّ والموضوعُ ثمَّ الثمرةْ
وفضلُهُ ونسبةٌ والواضعْ ** والاسمُ الاستمدادُ حكمُ الشارعْ
مسائلٌ والبعضُ بالبعضِ اكتفى ** ومن درى الجميعَ حازَ الشرفا
أبيات قصيرة؛ لكنها تضع أمام طالب العلم خريطة متكاملة لدخول أي تخصص معرفي؛ فلا يبدأ من المراجع، ولا يغرق في التفاصيل، ولا يشرع في جمع المعلومات قبل أن يعرف طبيعة العلم الذي يريد أن يتعلمه، وحدوده، وغاياته، ومصادره، وموقعه بين سائر العلوم.
لم يكن علماء المسلمين ينظرون إلى العلم باعتباره مجموعة معلومات يحفظها الطالب؛ بل كانوا ينظرون إليه بوصفه بناء معرفيا له موضوع وحدود وأصول وغايات. ومن هنا جاءت فكرة مبادئ العلوم العشرة، لتكون بمثابة المدخل المنهجي الذي يضبط علاقة المتعلم بالعلم قبل أن يتوغل في مسائله.
فما معنى هذا العلم؟ وما موضوعه الذي يبحث فيه؟ وما الثمرة التي يجنيها المتعلم من دراسته؟ وما فضله ومكانته؟ وما علاقته بالعلوم الأخرى؟ ومن واضعه أو أبرز من أسهم في تأسيسه؟ وما مصادره التي يستمد منها مادته وأدلته؟ وما حكم تعلمه في ميزان الشريعة؟ وما أبرز مسائله وقضاياه؟
هذه ليست أسئلة نظرية للترف الفكري؛ بل أسئلة تأسيسية تمنع التشتت، وتحدد المسار، وتحمي الباحث من أن يمضي سنوات في مجال لا يعرف حدوده، أو يكرر جهودا سبقته إليها دراسات أخرى.
واللافت أن هذه الأسئلة لم تكن مجرد تأملات فلسفية؛ بل تحولت إلى تقليد علمي أصيل في الثقافة الإسلامية، تناقله العلماء وضمنوه مقدمات كتبهم وشروحهم، حتى أصبحت جزءا من التكوين المنهجي لطالب العلم.
تأمل ما يحدث اليوم في الجامعات: قبل أن يبدأ طالب الماجستير أو الدكتوراه بحثه، يُطلب منه إعداد خطة علمية يحدد فيها عنوان الدراسة، ومشكلتها، وأهدافها، وأهميتها، وحدودها، ومصطلحاتها، والدراسات السابقة، ومصادرها، ومنهجها، وأسئلتها ومحاورها.
وبعيدا عن الاختلاف بين طبيعة التصنيفات القديمة ومتطلبات البحث الأكاديمي الحديث، فإننا نجد تقاطعا لافتا بين الأسئلة التي وضعها علماء المسلمين في مبادئ العلوم، والأسئلة التي تسعى خطط البحوث المعاصرة إلى الإجابة عنها.
فالحد والاسم والموضوع تلتقي مع التعريفات والمصطلحات وتحديد مجال الدراسة، والثمرة والفضل يلتقيان مع أهمية البحث وأهدافه، والنسبة والاستمداد يفتحان الباب لفهم علاقات التخصص بمصادره وحقوله المعرفية، أما المسائل فتتقاطع مع إشكالية البحث وأسئلته ومحاوره.
وهنا تظهر قيمة هذا التراث؛ فليس المقصود أن الأبيات تغني عن مقررات مناهج البحث العلمي، أو أن مبادئ العلوم العشرة تطابق بكل تفاصيلها إجراءات إعداد الرسائل الجامعية الحديثة؛ وإنما المقصود أنها تقدم أساسا فكريا ومنهجيا بالغ الأهمية؛ فلا تدخل مجالا معرفيا قبل أن تعرف ماهيته، ولا تبحث في قضية قبل أن تدرك موقعها وحدودها وغايتها.
إنها الفكرة نفسها التي تقف خلف كثير من الإجراءات الأكاديمية المعاصرة، وإن اختلفت المصطلحات وتطورت الأدوات واتسعت التفاصيل.
في عصر تتضاعف فيه المعلومات كل يوم، وتتداخل فيه التخصصات، وتتزاحم فيه الشهادات والألقاب؛ أصبح الإنسان مهددا بأن يعرف أشياء كثيرة دون أن يمتلك تصورا واضحا عن أي منها.
قد يبدأ طالب رحلة الماجستير بحماس، ثم يضيع بين المراجع والدراسات السابقة، وقد يقضي باحث سنوات في الدكتوراه دون أن تتضح له الحدود الدقيقة لمشكلته البحثية، وقد تنشأ تخصصات ومراكز بحثية لا تمتلك تصورا محددا لموضوعها أو أهدافها أو مصادرها.
وهنا تستعيد مبادئ العلوم العشرة أهميتها، لا بوصفها نصا تراثيا للحفظ؛ بل باعتبارها أداة عملية لتصحيح التفكير البحثي.
فهي تعلم الطالب أن يسأل عن الغاية؛ قبل أن ينشغل بالتفاصيل؛ لأن المعرفة التي لا يدرك صاحبها ثمرتها قد تتحول إلى عبء لا إلى وسيلة للبناء.
وتعلمه أن يحدد موضوعه وحدوده؛ لأن البحث الذي لا يعرف مجاله يتسع حتى يفقد هويته، أو يتشعب حتى يعجز صاحبه عن الإحاطة به.
وتعلمه أن يعرف مصادر المعرفة التي يستند إليها، وعلاقته بالتخصصات الأخرى؛ لأن العلوم لا تعيش في جزر منعزلة، بل تتكامل وتتفاعل، وتستفيد من بعضها بعضا.
والأهم من ذلك أنها تغرس فيه عادة التفكير المنظم؛ فلا يكتفي بالسؤال: ماذا أعرف؟ بل ينتقل إلى أسئلة أعمق: كيف عرفت؟ ولماذا أبحث؟ وما الذي أريد الوصول إليه؟ وما قيمة ما أقدمه للناس؟
إن من المؤسف أن تتحول بعض كنوزنا العلمية إلى أبيات محفوظة في صدور الطلاب، دون أن تتحول إلى أدوات حية في التعليم والبحث والتفكير؛ فكم من طالب جامعي يحفظ هذه المنظومة؛ لكنه لا يستحضرها عندما يختار موضوع رسالته! وكم من باحث يكتب صفحات طويلة في أهمية بحثه وأهدافه وحدوده، دون أن يعرف أن علماء أمته سبقوا إلى وضع أسئلة تأسيسية تضبط دخول الإنسان إلى أي علم!
إن استعادة هذه المنظومة لا تعني العودة إلى الوراء، ولا الاستغناء عن مناهج البحث الحديثة، ولا الاكتفاء بما أنتجه المتقدمون؛ بل تعني أن نعيد وصل حاضرنا العلمي بجذوره، وأن نأخذ من تراثنا ما يعيننا على تطوير أدواتنا؛ لا أن نجعله مجرد مادة للافتخار.
ويمكن للجامعات والمدارس ومراكز البحث أن تجعل مبادئ العلوم العشرة مدخلا تأسيسيا في تكوين الباحثين، وأن تدرب طلاب الدراسات العليا على تطبيقها عند اختيار تخصصاتهم، وصياغة مشكلاتهم البحثية، وبناء خططهم العلمية، وتقويم المجالات المعرفية الجديدة؛ فليس كل ما يحمل اسم العلم علما ناضجا، وليس كل موضوع يصلح أن يكون بحثا أكاديميا، وليس كل جهد بحثي ينتج معرفة ذات قيمة. والتمييز بين ذلك يبدأ من الأسئلة الصحيحة.
قبل أن تسأل: ماذا سأبحث؟ اسأل أولاً: ما العلم الذي أبحث فيه؟ ولماذا؟
لعل هذه هي الرسالة الأعمق التي تحملها أبيات الصبّان؛ أن العلم ليس سباقا في جمع المعلومات، ولا سباقا في نيل الشهادات؛ بل رحلة وعي تبدأ بحسن السؤال، وتستقيم بوضوح المنهج، وتكتمل حين تتحول المعرفة إلى ثمرة نافعة.
وقد تختصر هذه الأبيات ما تعجز عنه صفحات كثيرة؛ لا لأنها تغني عن البحث والتفصيل؛ بل لأنها تضع العقل على الطريق الصحيح؛ فالأمم لا تنهض بكثرة ما يكتبه أبناؤها من بحوث؛ وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة واعية، تعرف من أين تبدأ، وإلى أين تتجه، وما الذي ينبغي أن تغيره في حياة الناس.
وهذا هو الشرف الذي أراده الصبّان بقوله: «ومن درى الجميعَ حاز الشرفا».