حكاية من جزأين
(2) المصابيح التي لم تنطفئ
ما إن بدأت القوافل تسلك الممر البديل حتى دفع الأسد المتغطرس بمجموعات من أسوده لاختبار الطريق، ظنًّا منه أن الجارين سيعودان إلى خلافهما القديم.
لكن شيئًا كان قد تغيّر.
لم تختفِ الخلافات، غير أن الجارين أدركا أن استمرار الخصام لن يعيد إليهما ما فقداه، وأن ترك الطريق للمتغطرس لن يجعل أحدهما أكثر أمانًا من الآخر.
توزّعت المهام بينهما، وتقدمت فرق الحصن بما تملكه من خبرة ومعدات. اشتدّ القتال حول الممر، ثم تراجعت مجموعات الأسد المتغطرس بعد أن فشلت في تعطيل الطريق. لم تنتهِ الأخطار كلها، لكن المؤن والماء عادا إلى العبور، وبدأت الحياة تسترد شيئًا من انتظامها.
كما أن الأسد الكبير كان يعرف أن فتح الطريق لا يكفي ما دامت أسباب الخلاف قائمة.
وقبل أن يجمع الجارين إلى مجلس الحوار، وصلته أخبارٌ عن أسدٍ عريق يعيش وراء البحر، عُرف بمكانته التاريخية وصوته الذي اعتادت الغابات أن تصغي إليه في أوقات الشدة. كانت بينه وبين الحصن روابط قديمة، وكان كثيرون يأملون أن يكون لمكانته أثرٌ في تخفيف الخطر الذي يواجه الجارين.
لكن الأسد البعيد أعلن أنه لن يرسل أسوده إلى المعركة.
لم يكن أحدٌ قد طلب منه ذلك، ولم يكن مطلوبًا منه أن يخوض حربًا لا يريدها. ومع ذلك، ترك إعلانه شيئًا من الأسى في نفوس من كانوا ينتظرون منه موقفًا آخر؛ كلمةً ترفع معنويات المتعبين، أو مسعىً يساند الجهود القائمة، أو إشارةً تؤكد أن رفض القتال لا يعني الغياب عن هموم الجيران.
وحين سمع الأسد الكبير الخبر، لم يغضب، ولم يأمر بإغلاق أبواب الحصن. اكتفى بأن قال لمستشاريه: "ليس من حقنا أن نطلب من كل جارٍ أن يخوض معركتنا، فلكل منا حساباته. لكننا كنا نأمل ممن نعرف مكانته وتاريخه ألا يختصر حضوره في إعلان ما لن يفعله. فهناك فرق بين أن تمتنع عن حمل السلاح، وأن تمتنع عن مساندة جارك؛ إذ يستطيع المرء أن يساعد بالكلمة والحكمة والموقف، دون أن يدخل الميدان".
ثم نظر إلى الطريق وأضاف: "سنحمي أرضنا بأيدينا، ولن ننتظر من أحدٍ أن يفعل ذلك بدلًا منا. لكننا نؤمن أن الطريق يصبح أكثر أمانًا حين يؤدي كل جارٍ ما يستطيع من دور".
لم يرسل الأسد الكبير عتابًا قاسيًا، ولم يتنكر لما جمعه بالأسد البعيد من تاريخ. فقد كان يعرف أن المودة لا تعني تطابق المواقف، وأن الاختلاف لا يستوجب الخصومة. لكنه كان يعرف أيضًا أن المكانة التي يصنعها التاريخ تحتاج إلى مواقف تجددها في الحاضر.
ثم جمع الأسدين، ودعا ممثلي الأسود المعنية، وطلب من مستشاريه الحضور. وحين اجتمعوا في قاعة الحصن، لم يضع أمامهم قائمةً بالاتهامات، ولم يطلب من أحد أن يتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.
قال لهم: "لقد خسرتم وقتًا وأرضًا وأرواحًا وأنتم تحاولون إثبات مَن كان على حق. والآن، لنعرف كيف نمنع تكرار ما حدث".
ثم أشار إلى الطاولة وقال: "لكل طرف حقه في أن يُسمَع، ولكل مظلمة أن تُعالَج. فلنبحث عن حلول تحفظ الحقوق وتمنع خلافاتنا من أن تصبح أبوابًا يدخل منها الطامعون".
لم يكن الاجتماع سهلًا. ارتفعت الأصوات أحيانًا، وعادت وقائع الماضي إلى الطاولة، لكن الأسد الكبير ظل يعيدهم إلى سؤال واحد: "ما الذي يمنع تكرار هذا الألم؟"
وعلى مدى أيام، ناقش المجتمعون المسائل العالقة: تنظيم الممرات، ومسؤوليات الحراسة، وتأمين موارد الماء، ومعالجة المظالم، ووضع قواعد واضحة يلتزم بها الجميع. وما تعذّر حسمه أُحيل إلى لجنة مشتركة تتابعه حتى يصل إلى حل.
لم يتفقوا على كل شيء، لكنهم اتفقوا على ألّا يتركوا خلافاتهم ثغرةً ينفذ منها الطامعون.
وقبل انفضاض الاجتماع، قال الأسد الكبير: "هذا الحصن يجمعنا، فلا تجعلوا اختلافكم سببًا في إضعافه؛ فلكلٍّ منكم رأيه، وللجميع طريقٌ لا يأمن إلا بتعاونهم".
وفي تلك الليلة، وصل إلى كلٍّ من الأسدين مصباحٌ صغير، ومعه رقعة كتب عليها: "أبقوه مضيئًا، وإن احتجتم إلى زيتٍ أو عون، فنحن قريبون".
تأمل أحدهما المصباح وقال: "أرسلوه إلينا ونحن لا نزال مختلفين!"
فأجابه الآخر: "ربما رأوا في الطريق ما لم نره ونحن نتخاصم".
ومع الأيام، أضاءت المصابيح الممرات، وتعاون الجيران على حمايتها، فيما ظل الحصن سندًا لهم عند الشدائد.
وذات مساء، سأل شبلٌ أباه وهو يتأمل الأضواء الممتدة في السهول: "ألا يكفي أن يبقى مصباح الحصن مضيئًا؟"
قال الأسد الكبير: "يكفي ليهتدي إليه العابرون، لكن الطريق لا يأمن بنورٍ واحد؛ فمهما أضاء مصباحٌ، تبقى فيه ظلالٌ لا يبدّدها إلا اجتماع الأضواء".
وفي الصباح، وصلت قافلةٌ إلى بوابة الحصن، يتقدمها الأسدان اللذان فرّق بينهما الخلاف بالأمس، وجمعهما الطريق اليوم. فُتحت البوابة، ومضت القافلة بين المصابيح المتلألئة.
ظل الشبل يتابعها، ثم رفع عينيه إلى الأضواء، وقد أدرك أن الحصن قد يدلّ العابرين على الطريق، لكنهم جميعًا هم من يجعلونه آمنًا.