﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
ثمة كلمات في القرآن الكريم لا تقف عند حدود معناها اللغوي، بل تفتح أمام القلب آفاقًا من العبرة، وتكشف للعقل سننًا تحكم مصائر الأمم.... ومن أبلغها قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
«قُطِعَ دابرهم»:
ما أعمق هذه العبارة، وما أشد وقعها في نفس كل مظلوم طال انتظاره .
فالدابر هو آخر الشيء وما يأتي في أعقابه، وقطع دابر القوم يعني استئصالهم وانقطاع امتدادهم.
ولم يأت التعبير بصيغة المستقبل، بل جاء بصيغة الماضي: «قُطِعَ»، في سياق حكاية ما وقع للأقوام الظالمة وذلك ليصوّر النهاية التي تحققت في ذلك السياق القرآني، ويجسّد حسم العاقبة حين تنفذ سنة الله.
وليس في ذلك تحديد لموعد سقوط ظالم معاصر، فالغيب لله وحده، وإنما فيه تذكير بأن الطغيان ليس قدرًا أبديًا، وأن القوة لا تمنح صاحبها حصانة من عواقب ظلمه.
إن الظالم حين يستطيل في الأرض، ويتمادى في البطش... قد ينسى أن الإمهال ليس إهمالًا، وأن تأخر الحساب لا يعني الإفلات منه قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ.
وفي اليمن:
حيث أمعنت جماعة الحوثي في مسار الحرب، وتفاقمت معاناة المواطنين تحت وطأة الصراع والانتهاكات والقيود....
جاءت فاجعة شبوة الدامية لتضيف جرحًا جديدًا إلى جسد وطن أنهكته سنوات النزيف.
ففي يوم الاثنين الدامي التاسع عشر من أكتوبر، استُهدف مركز الشهيد أحمد السليماني التدريبي في معسكر العَلَم بمحافظة شبوة بصواريخ باليستية نُسب إطلاقها إلى جماعة الحوثي، وأعلنت الجماعة مسؤوليتها عن الهجوم ، وأسفرت الضربة وفق الإحصاءات التي أعلنتها السلطات المحلية، عن مقتل أكثر من ثلاثة وخمسين مجندًا وإصابة أكثر من مئتي شخص.
المشهد هنا لم يكن مجرد أرقام تُضاف إلى نشرات الأخبار؛ بل أرواحًا شابة أُزهقت، وأجسادًا أُثخنت بالجراح، وأمهاتٍ وآباءً استيقظوا على خبرٍ يبدّد أحلامهم، وأسرًا وجدت نفسها فجأةً أمام فاجعة لا تملك الكلمات أن تخفف من وطأتها.
والأشد إيلامًا أن الموقع المستهدف لم يكن ثكنةً تخوض اشتباكًا في جبهة قتال، بل مركزًا لتدريب وتأهيل مجندين مستجدين في الأجهزة الأمنية، لإعدادهم للقيام بواجب حفظ الأمن والاستقرار في محافظة شبوة.
إن هذه الأعمال الاجرامية بما خلّفته من قتل وإصابات واسعة، مدانة بكل لغات العالم، ومرفوضة بكل المعايير الإنسانية التي تصون حق الإنسان في الحياة.
ولا يجوز أن تتحول دماء اليمنيين إلى مادة في حسابات الصراع، أو أن تصبح أرواح الشباب رسائل متبادلة بين أطراف الحرب.
إن اختلاف المواقف السياسية لا يسقط حرمة الدم، ولا يعفي أي طرف من مسؤولية أفعاله، ولا يجعل استهداف الأرواح أمرًا يمكن تبريره بالشعارات.
يا أبناء اليمن :
لقد أثقلتكم الحروب، وأوجعتكم الفواجع، وطال انتظاركم لوطنٍ آمنٍ لا يخشى فيه الشاب صاروخًا وهو يتلقى تدريبه، ولا تخشى فيه الأسرة أن تفقد ابنها في لحظة غادرة.
فلا تجعلوا تكرار المآسي يبلّد إحساسكم، ولا تسمحوا لطول المحنة أن ينتزع منكم الأمل في استعادة وطنكم.
وتبقى الآية الكريمة نداءً خالدًا في وجه الظلم: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
إنها ليست رخصةً لإطلاق الأحكام الغيبية على مصائر جماعة بعينها، بل تذكير بأن الظلم لا يتحول إلى حق، وأن الإمهال ليس خلودًا، وأن العاقبة لا تُقرأ من ضجيج القوة وحده.
أما واجب اليمنيين:
فهو أن يحوّلوا ألمهم إلى إرادة وطنية جامعة، وأن يجعلوا من حماية الإنسان واستعادة الدولة والعدل والسلام طريقًا للخلاص من دوامة الدم.
رحم الله شهداء شبوة، وشفى جرحاها، وربط على قلوب أسرهم. وليكن دمهم شاهدًا على فداحة الطريق الذي أوصل اليمن إلى هذه المأساة، ودافعًا صادقًا للعمل من أجل وطنٍ تنتهي فيه الحروب، ويُصان فيه الإنسان، ولا يُترك فيه الظلم ليعيد إنتاج الفاجعة مرة بعد أخرى.