ليست كل الفواجع مجرد أرقام تُعلن في نشرات الأخبار، ولا كل الخسارات وجعًا عابرًا تمضي به الأيام. هناك فواجع تهزّ الوجدان، وتترك في ذاكرة الناس جرحًا لا يندمل بسهولة، وتضع الجميع أمام أسئلة لا يجوز أن تُدفن مع الشهداء.
وما شهدته شبوة اليوم، الاثنين 19 أكتوبر 2026، من استهداف لمعسكر العلم وسقوط العشرات من الشهداء والجرحى، فاجعة موجعة بكل المقاييس، تستدعي الحزن على أرواح أُزهقت، والتضامن مع أسر ثكلى، والوقوف بمسؤولية أمام حجم الخسارة وأسبابها وتداعياتها. رحم الله الشهداء، وجبر قلوب أهاليهم، ومنّ على الجرحى بالشفاء العاجل.
لكن شبوة، التي تعرف معنى التضحية، ليست أرضًا تُطفئ الفواجع عزيمتها، ولا مجتمعًا تنال منه المحن مهما اشتدّت. قد تنحني القلوب من هول المصاب، وقد تثقل الخطى تحت وطأة الحزن، لكن شبوة ستستجمع قواها، وتنهض من بين الركام، وفيةً لدماء شهدائها، متمسكةً بأرضها وكرامتها، ورافضةً أن يكون ثمن هذه التضحيات فتح الطريق أمام مشروع الكهنوت والظلام ليعبث بأمنها ومستقبل أبنائها.
إن دماء شهداء شبوة في عام 2015، ودماء شهدائها اليوم، ليست أحداثًا منفصلة في ذاكرة أبناء المحافظة؛ إنها حلقات في مسيرة طويلة من الدفاع عن الأرض والهوية والكرامة. ولا يجوز أن تتحول هذه التضحيات إلى ذكريات نستحضرها في مواسم الحزن، ثم نترك أسباب تكرار المآسي قائمةً دون مراجعة أو إصلاح. فالوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، بل بصون ما ضحّوا من أجله، وحماية الأحياء، ومنع تكرار الأخطاء التي تفتح أبوابًا جديدة للفقد.
ومن هنا، فإننا نؤكد أن مواجهة مشروع الحوثي لا تنفصل عن مسؤولية حماية الناس، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة، وإدارة شؤون المحافظة بمستوى التحديات التي تواجهها. فالأرض التي قدّمت كل هذه التضحيات تستحق أداءً يليق بها، واستعدادًا يوازي المخاطر، وقرارات لا تترك أبناءها عرضةً لفواجع كان بالإمكان الحد من أسبابها أو تقليل خسائرها.
كما أن هذه الفاجعة تستوجب المراجعة الشفافة لإجراءات التجنيد والتشكيل والتدريب والتأمين، والتحقق من مدى الالتزام بمتطلبات الحماية والاستعداد، إلى جانب تقييم سرعة الاستجابة الإسعافية والطبية، ومدى توافر سيارات الإسعاف والتجهيزات والكوادر والإمكانات اللازمة للتعامل مع هذا العدد الكبير من المصابين.
إن المطالبة بالمحاسبة ليست تصفية حسابات، ولا استثمارًا في وجع الناس؛ إنها حق للشهداء وأسرهم، وحق للجرحى، وحق لكل مواطن يريد أن يطمئن إلى أن أرواح أبناء شبوة ليست أمرًا هامشيًا، وأن أي تقصير لن يمر بلا مساءلة. وينبغي أن تستند المحاسبة إلى تحقيق مهني مستقل ونتائج واضحة، بعيدًا عن التبرير المسبق أو توجيه الاتهامات بلا أدلة، مع إعلان ما يمكن إعلانه للرأي العام واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق كل من تثبت مسؤوليته.
وفي هذه اللحظات العصيبة، لا بد أيضًا من إعلاء قيمة التضامن المجتمعي، وتسخير الإمكانات لإنقاذ الجرحى وعلاجهم، والوقوف إلى جانب أسر الشهداء، وتقديم الدعم اللازم لكل من فقد عزيزًا أو ينتظر خبرًا عن مصاب. فالمعركة مع الألم لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وواجب المسؤولين اليوم أن يشعر الناس بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة هذه الفاجعة.
يا أبناء شبوة، إن الحزن حق، والغضب مفهوم، والمطالبة بالعدالة واجب؛ لكن واجبنا الأكبر أن نحول هذه اللحظة القاسية إلى نقطة مراجعة وتصحيح، لا إلى مناسبة تتبدد فيها الوعود بعد انقضاء أيام العزاء. علينا أن نتمسك بوحدتنا، ونحمي نسيجنا الاجتماعي، ونرفض أن تتحول دماء الشهداء إلى وقود للخلافات أو مدخل يستفيد منه المتربصون بالمحافظة وأهلها.
ستظل شبوة أكبر من الجراح، وأوفى من أن تنسى شهداءها، وأقوى من أن تستسلم لمشروعات الظلام. وستبقى دماء أبنائها أمانة في أعناق الجميع؛ أمانة لا تبرئ أحدًا من مسؤوليته، ولا تسقط بالتقادم، ولا تفي بها خطابات الرثاء مهما بلغت بلاغتها.
رحم الله شهداء شبوة، وأسكنهم فسيح جناته، وجبر مصاب أهلهم وذويهم، وشفى الجرحى، وحفظ شبوة وأهلها من كل سوء.
لن تضيع التضحيات ما دام وراءها شعب يتذكر، وقيادات تُحاسَب، وإرادة لا تقبل أن تتكرر الفاجعة.