ليس أخطر ما قد يصيب الإنسان أن يخطئ؛ فكل إنسان عرضة للخطأ؛ مهما بلغ علمه، أو علا منصبه، أو اتسعت شهرته. الأخطر من ذلك أن يصل إلى مكانة تجعله يرفض الاعتراف بالخطأ، وأن يجد حوله من يخشون مصارحته، ويستبدلون بالنصيحة المجاملة، وبالحقيقة التصفيق، وبالمراجعة الصمت... عندها لا تعود المشكلة في خطأ شخص واحد؛ بل في بيئة كاملة تتعلم كيف تتعايش مع الخطأ، وكيف تحميه، وكيف تعاقب من يجرؤ على الاقتراب منه.
وفي كل مجتمع علماء يستحقون التوقير، ومسؤولون يستحقون الاحترام في حدود صلاحياتهم، وأصحاب خبرة ينبغي الانتفاع بعلمهم، وكبار لهم حق التقدير؛ لكن هذه الحقوق -على أهميتها- لا تمنح أحدًا حصانة من النقد، ولا تجعل رأيه فوق المناقشة، ولا تحول الاعتراض على قراره إلى إساءة لشخصه؛ فالعلم يرفع قدر صاحبه؛ لكنه لا يمنحه العصمة، والمنصب يمنح صاحبه صلاحيات؛ لكنه لا يمنحه حق احتكار الصواب، والوجاهة تزيد مسؤولية الإنسان، ولا تبيح له أن يتحكم في عقول الآخرين وضمائرهم. وقد لخّص القرآن الكريم جوهر هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
فالمشكلة ليست أن يكون الإنسان كبيرًا في أعين الناس؛ وإنما أن يتوهم أن مكانته تعفيه من المراجعة، وأن مخالفته جريمة، ومناقشته قلة أدب، ونصيحته انتقاص من قدره.
وليس كل ساكت مقتنعًا، ولا كل موافق مؤمنًا بصواب ما يوافق عليه؛ فقد يصمت الموظف خوفًا على وظيفته، ويجامل المعلم خشية أن يصبح هدفا للتهميش، ويتردد الباحث في مناقشة أستاذه، ويتجنب الناصح إبداء رأيه خشية أن يُتهم بإثارة الخلاف أو إضعاف الجماعة.
قد يرى أحدهم قرارا يضر بمؤسسته؛ لكنه يفضّل الصمت على مواجهة المدير. وقد يشاهد ظلما يقع على زميله؛ فيحسب أن النجاة في الابتعاد عن المشكلة. وقد يعرف الخلل؛ لكنه يخشى أن يُشوَّه اسمه، أو تُحجب عنه مصلحة، أو يُغلق في وجهه باب كان يحتاج إليه.
وهكذا يبدأ الأمر بخوف فرد، ثم يتحول إلى سلوك جماعي، حتى تصبح المجاملة قاعدة، ويغدو الصمت فضيلة زائفة، ويُعامل صاحب الرأي المخالف باعتباره مصدر إزعاج، لا شخصًا قد يحمل مفتاح الحل.
وتزداد الصورة سوءا حين يتسابق المحيطون بصاحب النفوذ إلى تأييده؛ لا لأنهم اقتنعوا بحجته؛ بل لأنهم يريدون رضاه. فيمدحون رأيه؛ قبل أن يفهموه، ويدافعون عن قراره؛ قبل أن يعرفوا نتائجه، ويهاجمون مخالفيه؛ قبل أن يسمعوا منهم.
وفي مثل هذه الأجواء؛ قد يظن المسؤول أن الجميع مقتنعون به؛ بينما الحقيقة أن بعضهم يخافه، وبعضهم ينتظر مصلحته، وبعضهم فقد الأمل في أن يجد أذنًا تسمع.
وهنا يصبح الصمت مضللا؛ فلا يعود دليلا على الرضا، ولا وسيلة لحماية المؤسسة؛ بل قد يتحول إلى غطاء يسمح للخطأ بأن يتضخم، وللظلم بأن يستمر، وللحق بأن يتراجع خطوة بعد أخرى.
من أخطر مظاهر استبداد المكانة أن تتغير قيمة الكلام بتغير قائله؛ فنقبل الرأي من شخص؛ لأنه كبير، ونرفضه من آخر؛ لأنه أقل منصبًا أو شهرة، حتى لو كانت الحجة مع الثاني والخطأ مع الأول.
كم من صاحب شهادة ظن أن شهادته تغنيه عن الدليل! وكم من مسؤول توهم أن صلاحياته تمنحه حق احتكار الصواب! وكم من صاحب وجاهة ضاق صدره بكلمة حق؛ لا لأنها باطلة؛ بل لأنها صدرت عن شخص لا يراه ندًّا له!
إن السؤال الصحيح ليس: من أنت حتى تعترض؟ بل: هل اعتراضك صحيح؟ وما دليلك؟ وهل القرار الذي تناقشه يحقق المصلحة أم يلحق الضرر بالناس؟ وقد وجّه القرآن الكريم المؤمنين إلى التثبت وعدم اتباع ما لا يقوم على علم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
فإذا كان الإنسان مسؤولًا عن علمه وقوله؛ فكيف يبرر لنفسه تأييد قرار لم يدرسه، أو الدفاع عن موقف لم يتحقق من صحته، أو مهاجمة شخص لم يسمع حجته؛ لمجرد أن صاحب النفوذ يقف في الجهة المقابلة؟
وليس احترام العلماء تعصبا لهم، ولا الثقة بالخبراء إلغاء للعقول، ولا طاعة المسؤول في المعروف تصويبا لكل قرار يصدر عنه؛ وقد قرر صلى الله عليه وسلم أصلًا واضحا في رد ما يخالف هديه، فقال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [متفق عليه].
فالمكانة لا تجعل الخطأ صوابًا، كما أن ضعف مكانة صاحبه لا يجعل الصواب خطأً. والإنسان الواثق من نفسه لا يخشى الدليل، ولا ينزعج من السؤال، ولا يرى في الاعتراف بخطئه هزيمة لهيبته؛ بل إن من أرفع صور القوة أن يسمع الإنسان رأيًا يخالفه، فيفحصه بإنصاف، ثم يقبله إن ظهر له صوابه؛ مهما كانت مكانة قائله.
حين يعجز بعض الناس عن الرد على الحجة؛ ينتقلون إلى الطعن في صاحبها. فإذا اعترض موظف؛ اتُّهم بالتمرد. وإذا نصح عالم؛ قيل إنه يطلب الشهرة. وإذا كشف داعية خللا؛ اتُّهم بإضعاف الجماعة. وإذا طالب مظلوم بحقه؛ قيل إنه لا يعرف قدر الكبار.
وبدل أن يُناقش السؤال الحقيقي: هل وقع الخطأ؟ وهل الاعتراض في محله؟ ينشغل الجميع بسؤال آخر: من الذي تجرأ على الكلام؟
وهكذا يتحول النقد من فرصة للإصلاح إلى معركة حول الأشخاص، ويصبح الدفاع عن المكانة أهم من تصحيح القرار، وتُستنزف الجهود في التشكيك في النيات بدل البحث عن الحقيقة. غير أن الإسلام لا يجعل العدل امتيازا للأصدقاء والموافقين؛ بل يوجبه حتى مع المخالفين، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فإذا كان العدل واجبا حتى مع من نختلف معهم؛ فكيف يجوز أن نظلم شخصا لأنه ناقش قرارًا، أو نشوّه سمعته لأنه نبّه إلى خلل، أو نحرمَه حقه لأنه لم يساير أصحاب النفوذ؟!
وقد جعل صلى الله عليه وسلم النصيحة من جوهر الدين، فقال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قيل: لمن؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [صحيح مسلم].
فالنصيحة ليست خيانة، والاعتراض المؤدب ليس تمردًا، والمراجعة ليست انتقاصا من المكانة. نعم، للنقد آداب، وللكلام ضوابط، وللصلاحيات حدود؛ فلا يُقبل التشهير، ولا الاتهام بغير بينة، ولا التجاوز باسم الشجاعة. لكن هذه الضوابط ينبغي أن تحمي الحق من الإساءة، لا أن تتحول إلى ستار يحجب الحق عن الناس.
ومن يعاقب كل من ينبهه إلى خطئه؛ كيف سيعرف أخطاءه؟ ومن يحيط نفسه بمن يوافقونه دائمًا؛ متى سيسمع الحقيقة التي لا يحبها؟
لا تقف خطورة استبداد المكانة عند العلاقة بين شخص وآخر؛ فآثاره تمتد إلى المؤسسات العلمية والإدارية والدعوية، وإلى المجتمع بأكمله.
حين يصبح القرب من صاحب القرار أهم من الكفاءة؛ يُهمَّش المخلص ويُقدَّم المتملق. وحين تُمنح الفرص لمن يجيدون إرضاء المسؤول -لا لمن يحسنون أداء العمل -تخسر المؤسسات أفضل ما تملكه: عقولًا قادرة على التفكير، وكفاءات تستطيع التطوير، وضمائر لا تقبل السكوت عن الخطأ.
وفي المؤسسات العلمية، قد يخشى الباحث أن يعلن نتيجة توصل إليها بالدليل؛ لأنها تخالف رأي أستاذه أو الاتجاه السائد. وفي المؤسسات الإدارية، قد تُتخذ القرارات لحماية سمعة المسؤول؛ بدل حماية مصالح الناس. وفي العمل الدعوي، قد يتحول الولاء للأشخاص إلى معيار لتقييم الأفكار؛ فيُقبل الخطأ من الموافق، ويُرفض الصواب من المخالف.
أما المجتمع؛ فيدفع الثمن من ثقته وعدالته وتماسكه؛ لأن الناس حين يفقدون الأمل في الإنصاف؛ يبحثون عن نفوذ يحميهم؛ بدل أن يبحثوا عن حق ينصفهم، ويتعلمون المجاملة؛ بدل الصراحة، والتقرب من الأقوياء؛ بدل الاعتماد على المعايير العادلة.
كم من خطأ كان يمكن أن يُصحَّح بكلمة صادقة؛ لكنه تضخم لأن أحدا لم يجرؤ على قولها! وكم من كفاءة أُهدرت؛ لأن صاحبها لم يتقن التملق! وكم من مؤسسة ضعفت؛ لا بسبب ندرة العقول فيها؛ بل لأن العقول تعلمت أن الصمت أسلم من الصدق!
وقد حذّر القرآن الكريم من كتمان الحق، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].
فالمؤسسة التي لا تسمع إلا المديح؛ لا تتقدم بالضرورة، والمجتمع الذي يخشى أفراده من السؤال؛ لا يصبح أكثر انضباطا؛ بل قد يصبح أكثر عرضة للأخطاء التي لا يجد أصحابها من يكشفها.
المكانة الحقيقية ليست قدرة الإنسان على إسكات الآخرين؛ بل قدرته على إدارة الاختلاف من غير ظلم، والاستماع إلى النقد من غير انتقام، وممارسة سلطته من غير استعلاء.
فيا صاحب المنصب! قد يكون الذي ينبهك إلى خطئك أصدق الناس محبة لك، وقد يكون الذي يوافقك في كل شيء أبعدهم عن نصحك؛ فلا تجعل المخالفة إهانة، ولا النصيحة عداوة، ولا الاعتراف بالخطأ نقصا في قدرك؛ فالرجوع إلى الحق رفعة، والاعتذار عن الظلم شجاعة، والتراجع عن القرار الخاطئ خير من الإصرار عليه حفاظا على صورة لا ينبغي أن تكون أغلى من حقوق الناس. وقد أمر الله بالقيام بالقسط ولو خالف ذلك هوى الإنسان ومصلحته؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
وهذا الميزان لا يتغير بتغير الأسماء والمناصب؛ فالعالم مسؤول عن تواضعه للحق، والمسؤول عن عدله، والوجيه عن أثر نفوذه، وكل صاحب مكانة مسؤول عما يصنعه بمكانته.
وليس الحزم أن تفرض رأيك في كل أمر، ولا القوة أن تمنع الناس من مخالفتك؛ بل الحزم أن تؤدي مسؤوليتك، والقوة أن تملك نفسك عند النقد، والثقة أن تثبت أمام الحجة بدل أن تهرب منها إلى منصبك أو جاهك.
وفي المقابل؛ فإن من يرى خطأً يضر الناس لا ينبغي أن يجعل خوفه من صاحب النفوذ مبررا دائمًا للصمت. غير أن قول الحق لا يعني التهور، والنصيحة لا تعني التشهير، والشجاعة لا تعني الإساءة إلى الآخرين؛ فقد تكون النصيحة الخاصة أبلغ أثرا، وقد تكون الوقائع الموثقة والأرقام أوضح من كثرة الكلام، وقد يحتاج الأمر إلى الاستعانة بأهل الخبرة، أو استخدام قنوات التظلم، أو اللجوء إلى جهة عادلة تستطيع إنصاف المتضرر.
والمقصود ليس الانتصار للنفس، ولا إثبات الشجاعة أمام الناس؛ وإنما إصلاح الخطأ وحماية الحقوق. ولذلك؛ ينبغي أن يُقال الحق بعلم، وأن تُعرض الحجة بإنصاف، وأن تُختار الوسيلة المشروعة التي تحقق الإصلاح وتراعي العواقب؛ لكن الحذر شيء، والاستسلام الدائم شيء آخر؛ فلا ينبغي أن يتحول الخوف على الوظيفة أو العلاقة أو المصلحة إلى تنازل مستمر عن الضمير، ولا أن يصبح الحرص على الاستقرار مبررا لترك المظالم تتراكم؛ فكم من مظلمة كبرت؛ لأن كل من عرف بها قال: لست معنيّا! وكم من خطأ استمر لأن كل من استطاع الاعتراض آثر سلامته الشخصية! وحين يسكت أهل الخبرة والضمير؛ لا يبقى في الميدان بالضرورة أصحاب الرأي الأصوب؛ بل قد يتصدره الأكثر انتفاعًا من استمرار الخلل.
ولا يكفي أن نطالب أصحاب المكانة بالتواضع، ولا أن نلوم الصامتين على خوفهم؛ بل ينبغي أن نبني بيئات تسمح بالنصيحة، وتحترم الرأي المخالف، وتحمي أصحاب الشكاوى من الانتقام، وتُخضع القرارات المهمة للمراجعة والمساءلة.
في الأسرة، يُحترم الكبار وتُسمع آراء الصغار. وفي الجامعة، تُناقش أفكار الباحثين بالأدلة، لا بمكانة أصحابها. وفي الإدارة، تُبنى التعيينات والترقيات على الكفاءة والأمانة، لا على القرب الشخصي. وفي العمل الدعوي، يُستقبل الناصح بوصفه شريكا في الإصلاح، لا خصما لمجرد أنه كشف خللا.
وتحتاج المؤسسات إلى معايير واضحة لاتخاذ القرار، وقنوات آمنة للتظلم، وآليات عادلة لمراجعة الأخطاء، وثقافة تفرق بين النقد المسؤول والتشهير، وبين الاعتراض المشروع والتعطيل المتعمد. وقد جعل القرآن الكريم الشورى من صفات المجتمع المؤمن، فقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].
فالشورى ليست زينة تُذكر في الخطب ثم تُغلق أبوابها عند اتخاذ القرارات؛ إنها ممارسة تتيح تبادل الرأي، وتكشف جوانب القصور، وتحمي القرار من الانفراد، وتمنع تحول المؤسسات إلى ملك خاص لشخص أو جماعة.
ومن علامات الخلل أن تُطلب آراء الناس بعد حسم القرار، أو أن يُستشاروا لا للمشاركة في التفكير؛ بل للحصول على موافقتهم. فالمشاورة الحقيقية تقتضي استعدادا جادا لسماع الرأي المخالف، والنظر في حجته، وتعديل القرار متى ظهر أن التعديل أصلح.
والأهم أن نربي أبناءنا وطلابنا وموظفينا على ثلاثة مبادئ لا يستغني عنها مجتمع يريد النهوض: احترام الأشخاص دون تقديسهم، وأدب الاختلاف دون خوف، وطلب الدليل دون غرور.
وأخطر ما في استبداد المكانة أنه قد يبدأ بحادثة صغيرة: رأي رُفض؛ لأن قائله أقل منزلة، أو نصيحة عوقب صاحبها، أو مظلوم شُوّهت سمعته؛ لأنه طالب بحقه. ثم تتكرر الحوادث حتى يتعلم الناس أن السلامة في الصمت، وأن النجاح في المجاملة، وأن الاقتراب من صاحب النفوذ أهم من أداء الواجب؛ لكن المجتمعات لا تنهض بهذه الطريقة، والمؤسسات لا تُصلح أخطاءها بالخوف، والعلم لا يتقدم؛ حين يُمنع السؤال، والدعوة لا تقوى؛ حين يُعامل الناصح بوصفه عدوًّا.
إننا بحاجة إلى مسؤول لا يخشى أن يسمع الحقيقة، وعالم لا يرى في المراجعة انتقاصا من علمه، وقائد يفرح بكفاءة من يعملون معه، وأفراد يعرفون أن احترام الآخرين لا يقتضي التخلي عن عقولهم أو ضمائرهم. وبحاجة -كذلك- إلى شجاعة أخلاقية؛ لا تظلم المخالف، ولا تتعالى على صاحب المنصب، ولا تسكت عن الخطأ؛ لمجرد أن وراءه اسما كبيرا؛ فالمناصب تتغير، والوجاهة تزول، والأسماء التي يلتف حولها الناس اليوم قد ينصرفون عنها غدا. أما أثر العدل فيبقى في حياة من أُنصفوا، وأثر الظلم يبقى في ذاكرة من أُهدرت حقوقهم.
إن المكانة التي تستحق الاحترام ليست تلك التي يخشى الناس مخالفتها؛ بل تلك التي يشعرون في ظلها بالأمان وهم يقولون الحقيقة. وأكرم الناس ليس من لا يُراجَع رأيه؛ بل من كان أقربهم إلى الحق، وأعدلهم مع الناس، وأشجعهم على الاعتراف بالخطأ حين يتبين له الصواب.