آخر تحديث :الأربعاء-16 سبتمبر 2026-10:06ص

جغرافية المخاء وباب المندب.. بوابات الموت ومفاتيح النصر

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - الساعة 10:00 ص

فارس المداري
بقلم: فارس المداري
- ارشيف الكاتب

تتبوأ مدينة المخاء وجزرها الاستراتيجية المطلة على الممر الدولي في باب المندب مكانة محورية بالغة الحساسية، لا ترتبط فقط بجغرافية الصراع المحلي، بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على أمن الملاحة الإقليمية والعالمية. ومن هنا، فإن أي تخلخل في هذه العقدة الجيوسياسية الحساسة يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحة وسرديات متقاطعة حول الأسباب الحقيقية التي أفضت إلى التراجع وسيطرة ميليشيا الحوثي عليها، لتتحول هذه القضية إلى مادة دسمة للنقاش العميق بين النخب والمحللين.

تتعدد الروايات لتلتقي عند محطات رئيسية شكلت الجدار الرخو الذي اخترقته الميليشيات. يأتي في مقدمة هذه الأسباب وجود الاختراقات الأمنية داخل صفوف القوات المنتشرة في الساحل الغربي، وتحديداً تلك التابعة لطارق صالح. فعلى مدار سنوات، استغل الحوثيون امتدادهم الجغرافي والديموغرافي في مناطق الشمال وشمال الشمال تحديدا'. لتمرير عناصر تابعة لهم، وزرعها تحت غطاء الانتساب لتلك القوات، لتكون بمثابة طابور خامس يتحين لحظة الصفر. وهي ثغرة هيكلية يتحمل وزرها الأكبر – من زاوية تحليلية – كل من الحكومة الشرعية والتحالف العربي لدعم الشرعية عبر غياب آليات التدقيق الأمني الصارم.

ولا يتوقف النزيف عند هذا الحد، بل يتضاعف بفعل هشاشة البناء التنظيمي لمؤسسات الدولة وتعدد مراكز النفوذ والسلطة داخل معسكر الشرعية نفسها. هذا التشتت الإداري والسياسي أنتج بيئة مواتية للتباينات، وأضعف من كفاءة التنسيق العسكري الميداني، مما سهل على الخصم توظيف هذه الفجوات لصالح أجندته التوسعية.

وعلى الرغم من وجاهة هذه الأسباب التنظيمية والأمنية، إلا أن هناك بُعداً أعمق غاب عن الكثيرين وسط صخب المعارك وتحليلات السياسة. إنه الوقوع في فخ الاعتماد الكلي على الأسباب المادية وحدها، وتعليق آمال النصر بالعدد والعتاد والقيادات، غافلين عن أن النصر بيد الله تعالى وحده.

فالجيوش، مهما بلغت من أوج قوتها، وتلألأت هيبتها من صرامة قادتها وعزيمة مقاتليها – ونحن هنا نؤمن تماماً بالبسالة والقدرة القتالية العالية لقواتنا الجنوبية ممثلة بألوية العمالقة وقوات درع الوطن والمقاومة الجنوبية وكل المجاهدين المرابطين في ميادين الشرف والبطولة وساحات الوغى – إلا انها تظل محكومةً بالضعف البشري المحدود. فشرف الإقدام وصدق النوايا لا يصنعان النصر بمعزل عن توفيق الله سبحانه ومصداقية التوكل عليه، فالإنسان ليس سوى أداة في مجريات اقدار الله.

من هنا تتكشف الحقيقة الناصعة، فلا ينبغي لقلوب تؤمن بالحق أن تعلق أفئدتها بغير الخالق سبحانه وتعالى، ولا أن تستند إلا إلى ركنه الشديد. فالمعادلة القرآنية حاسمة واضحة لا تحتمل التأويل في قوله تعالى:

﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وان يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾

ولنا في ذاكرة التاريخ الإسلامي عبرة شاخصة لا تتبدل. ففي يوم حُنين، وتحت قيادة أعظم رجل في التاريخ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحضور صفوة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، تسللت إلى النفوس لحظة إعجاب بالكثرة والاعتماد على العُدّة. وكانت النتيجة درساً بليغاً ومفصلياً بينه لنا القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾.

لقد انقلبت الموازين في ومضة لتؤكد أن الجموع الكثيرة لا تغني من قدر الله شيئاً إذا ما تعلق القلب بالأسباب ونسي المسبب جل وعلا.


إن التقدير العرفي والوطني لإخلاص المرابطين في ميادين الشرف وبطولاتهم وتضحياتهم الجسيمة يظل واجباً مقدساً لا يمكن إسقاطه. غير أن المزلق الفكري والقلبي الخطير يكمن في الشغف المفرط بـ السبب والتحول الكلي عن المسّبب. إن استعادة المخاء وباب المندب وكل المناطق الواقعة تحت سيطرة الميلشيات الحوثية تبدأ أولاً من استقامة الوجهة القلبية، وتصحيح البوصلة الاعتقادية، لترتبط القوة المادية بالتوكل الصادق على الله سبحانه وتعالى، وعندها فقط يتحقق الوعد الحق وتتكامل معادلة النصر والتمكين.