ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، فهناك معارك أخطر وأعمق، تُخاض داخل الضمير، وبين الإنسان وإنسانيته.
وما يتعرض له النازحون من عبارات جارحة وإساءات لا يمكن أن يمر وكأنه مجرد كلام عابر؛ لأن الكلمة حين تُقال في وجه إنسان أنهكته الحرب والنزوح، قد تكون أشد قسوة من أي شيء آخر.
النازح ليس عدوًا، وليس مسؤولًا عن حرب لم يخترها، وليس من العدل أن يُحمَّل الإنسان البسيط وزر صراعات الكبار. إنه إنسان ترك بيته وأرضه بحثًا عن الأمان، ولذلك فإن نصرته وإغاثته وحمايته ليست منّة من أحد، بل واجب ديني وإنساني وأخلاقي.
وفي ديننا، نصرة المستضعفين وإغاثة الملهوف وإكرام الإنسان قيم لا تسقط بتغير الظروف. وبهم ننتصر أخلاقيًا قبل أن ننتصر في أي معركة أخرى؛ لأن المجتمعات لا تُقاس فقط بقوتها، وإنما بقدرتها على حماية الضعيف حين يكون في أمسّ الحاجة إليها.
ومن هنا نقولها بوضوح: من يتحدث باسم الجنوب، ثم يسيء إلى النازحين بألفاظ بذيئة أو مهينة، لا يمثل قيم الجنوب ولا أخلاق أبنائه الشرفاء.
فالجنوب الذي نعرفه ليس جنوب الإهانة، ولا جنوب التشفي، ولا جنوب ظلم المستضعفين. الجنوب تاريخ من المروءة والشهامة والتعايش، وأبناء الجنوب الشرفاء لن يسمحوا بأن تختطف الإساءة إلى النازحين صورة مجتمع كامل.
وعدن تحديدًا مدينة عرفت التعايش والسلام، واحتضنت أبناء اليمن من مختلف المناطق، وظلت في أحلك الظروف مساحة للإنسان حين تضيق به الأرض.
ولهذا فإن المسؤولية اليوم تقع على الجميع.
الحكومة مطالبة بالتحرك العاجل، والأمم المتحدة والمنظمات الدولية ولجنة النازحين مطالبة بتأمين مخيمات آمنة ومهيأة تحفظ كرامة النازحين وتوفر لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة.
كما أن على رئيس الوزراء اتخاذ إجراءات سريعة وفاعلة، وتفعيل عمل لجنة النازحين على مستوى المحافظات، بحيث لا تبقى قضية النازحين رهينة المبادرات الفردية أو ردود الأفعال الموسمية.
وعلى السلطة المحلية في عدن وأبين أن تقوم بواجبها الكامل في حماية النازحين، وتنظيم أوضاعهم، وتوفير البيئة الآمنة لهم، والتنسيق مع الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية والدولية.
أما من أساء إلى النازحين أو تعمد إهانتهم، فلهؤلاء نقول: الاعتذار واجب، والقانون يجب أن يأخذ مجراه. وعلى الأجهزة الأمنية اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يتجاوز حدود القانون وكرامة الإنسان، بعيدًا عن الانتقائية أو التسييس.
وفي الوقت ذاته، فإن المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أمام اختبار حقيقي؛ فالمواقف الإنسانية لا تكون بالبيانات وحدها، وإنما بالحضور على الأرض، وتأمين المأوى والغذاء والرعاية والحماية لمن فقدوا بيوتهم وأمنهم.
كما أن للمشاهير والشخصيات العامة في عدن رسالة أكبر من مجرد الإعلانات التجارية. اليوم هناك إنسان نازح يحتاج إلى أن يسمع كلمة تضامن، وأن يرى موقفًا إنسانيًا، وأن يشعر أن المجتمع لم ينسه. فليكن لهم حضور في هذه القضية، ولتكن شهرتهم وسيلة لخدمة الإنسان، لا مجرد مساحة للإعلان.
وأقول لأخي العزيز الوزير وليد الإبارة، الذي جمعتني به علاقة أخوية ومواقف إنسانية منذ ما قبل أن يكون وزيرًا: إن هذه المرحلة تحتاج إلى كل صوت يؤمن بالإنسان، وكل موقف ينتصر للمستضعفين، وكل مسؤول يجعل كرامة المواطن فوق الحسابات الضيقة.
ولن ننسى أن عدن صمدت في أصعب الظروف، وأن أبناءها وقواتها وأمنها وقفوا في وجه الخطر، وأن المدينة التي حُوصرت بالأزمات لم تسقط روحها ولم تسقط قيمها.
لا خوف على عدن ما دام فيها رجال يحرسون أمنها، وما دام فيها أبناء أوفياء لقيمها، وما دام الأشقاء العرب، وفي مقدمتهم ملك وأمير العرب، حاضرِين في دعمها وحمايتها ومساندتها.
لكن حماية عدن لا تعني أن نغلق أبواب الإنسانية، وقوة الأمن لا تعني قسوة القلب.
فالمدينة الآمنة هي التي تحمي أهلها وضيوفها ونازحيها، والجنوب القوي هو الذي يستطيع أن ينتصر للحق دون أن يظلم الضعيف.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها:
إذا سقطت الإنسانية من قلوب أبناء الجنوب، فلن يأتي ظلم المظلوم بجنوبٍ عادل، ولن يُبنى المستقبل فوق كرامة مهدرة أو دمعة نازح أو صرخة طفل.
أما أبناء الجنوب الشرفاء، فنحن على ثقة بأنهم لن يسمحوا لأحد أن يشوّه قيمهم، ولن يقبلوا أن تتحول معاناة النازحين إلى مادة للكراهية أو الإهانة.
فالجنوب الذي نريده ليس جنوبًا ينتصر على الضعفاء…
بل جنوبًا ينتصر للإنسان.
وهنا يكون الانتصار الحقيقي.