في أوطانٍ يُثقلها الوجع، لا تأتي الفاجعة بغتة، بل تسبقها مقدمات طوالٌ من الإرهاق المنظم. لم يكن خافياً على أحد ذلك السيناريو الذي يُدار بالخفاء؛ فلم تكفِ الأزمات اليومية المتلاحقة، من غلاءٍ يلتهم الرمق الأخير، إلى انشغال البسطاء بلقمة العيش التي أضحت حلمًا بعيد المنال، يركضون خلفه من فجر اليوم حتى هبوط العتمة. ولم يكفِ التأجيج المستمر للظواهر المتعمقة في بعض العقول، تلك التي تُغذّيها نيران الجهل والتعصب كالثأر، لتظل النفوس على جمرٍ متقد لا يستريح.
لكن الكارثة الكبرى تجيء حين تُفتح أبواب الجحيم الأكبر؛ فالحروب هي أكبر مآسي في كل وطن. تطلُّ الحرب بوجهها الكالح لتكون كالضربة التي تقسم ظهر البعير، تحطم السقف المهزوز أصلًا، وتنسف الآمال الخبوة التي تسلل إليها النور بشدة.
أمام هذا الركام، يقف المواطن المنهك مذهولاً، ينظر إلى المسافة التي قطعها في الصبر والاحتمال، يحسب أنه دنا من بر الأمان. غير أن الواقع يصفعه بقسوة؛ فيكون كمن يريد الوصول لخط النهاية ليجد نفسه ما زال في المنتصف. تتماهى المعالم، وتتداخل البدايات بالنهايات، ويغدو الخروج من الدوامة ضرباً من الخيال، حيث يتساوى المسعى مع اللاوصول، وتظل الأوطان تدور في فلك الانتظار الشاق.