آخر تحديث :الثلاثاء-01 سبتمبر 2026-10:48ص

عدن وغرفتها التجارية.. 140 عامًا من صناعة الثقة واستشراف المستقبل

الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 - الساعة 10:22 ص

سالم سلمان
بقلم: سالم سلمان
- ارشيف الكاتب

﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾



حين تحتفي عدن بمرور مائة وأربعين عامًا على تأسيس غرفتها التجارية والصناعية، فإنها لا تحتفي بعمر مؤسسة فحسب، وإنما تستعيد فصلًا مهمًا من تاريخ مدينة تشكّلت شخصيتها حول البحر والتجارة والانفتاح، وصنعت لنفسها، منذ وقت مبكر، مكانًا يتجاوز حدود الجغرافيا إلى رحابة العالم.


ففي السادس والعشرين من أغسطس عام 1886م تأسست غرفة عدن التجارية، في مدينة كانت التجارة فيها أكثر من نشاط اقتصادي؛ كانت أسلوب حياة، وجسرًا يصل الشرق بالغرب، وتلتقي فيه السفن والسلع ورؤوس الأموال والثقافات.


ولعل من أجمل دلالات البدايات أن الغرفة ضمت رجال أعمال من جنسيات مختلفة، اجتمعوا حول مصلحة التجارة وازدهار المدينة؛ وهي صورة تختصر جانبًا أصيلًا من شخصية عدن: الانفتاح مصدر قوة، والتنوع عنصر ازدهار، والتجارة لغة مشتركة تتجاوز الاختلافات.


وجاء تأسيس الغرفة في مرحلة كانت فيها عدن تتقدم على خريطة التجارة والملاحة الدولية، مستفيدة من موقعها الفريد، ومن التحولات التي شهدتها طرق التجارة البحرية، خصوصًا بعد افتتاح قناة السويس عام 1869م.


ومن هنا تشكلت ثلاثية صنعت جانبًا كبيرًا من تاريخ عدن الحديث: الميناء، والتاجر، والمؤسسة.


فالميناء فتح المدينة على العالم، والتاجر حوّل الموقع إلى حركة اقتصادية، والغرفة منحت مجتمع الأعمال إطارًا مؤسسيًا ينظم مصالحه ويعزز حضوره.


وعبر العقود، أصبحت غرفة عدن جزءًا من الذاكرة الاقتصادية للمدينة، وشاهدًا على مراحل ازدهارها وتحولاتها وأزماتها. تبدلت الأنظمة والظروف، وعاشت عدن فترات رخاء وأخرى بالغة الصعوبة، لكن الغرفة بقيت؛ وهنا تكمن قيمة المؤسسات العريقة، فهي لا تقاس فقط بما تنجزه في أوقات الاستقرار، وإنما بقدرتها على الصمود وحفظ التراكم المؤسسي عندما تتغير الظروف.


واليوم، فإن أفضل وفاء لهذا التاريخ ليس الاكتفاء بالاحتفاء به، وإنما طرح السؤال الأهم: كيف نحول هذا الإرث إلى قوة للمستقبل؟


لقد تغيّر العالم الذي ولدت فيه الغرفة عام 1886م. التجارة أصبحت رقمية، والموانئ تحولت إلى منصات لوجستية متكاملة، وسلاسل الإمداد باتت جزءًا من الأمن الاقتصادي للدول، والمنافسة لم تعد بين التجار وحدهم، بل بين المدن والموانئ والبيئات الاستثمارية في قدرتها على خفض الوقت والكلفة والمخاطر.


وإذا كانت عدن قد امتلكت تاريخيًا ميزة الموقع، فإن الموقع وحده لم يعد كافيًا لصناعة الميزة التنافسية.


فالمستقبل يحتاج إلى ميناء كفؤ، وجمارك حديثة، وخدمات لوجستية متطورة، ومنطقة حرة فاعلة، وقطاع مصرفي قادر، وتشريعات مستقرة، وإجراءات رقمية، وبنية تحتية مساندة، وقطاع خاص وطني يمتلك الثقة والقدرة على الاستثمار والإنتاج.


وهنا يتجدد دور الغرفة بأدوات العصر؛ ليس فقط ممثلًا للتجار، وإنما شريكًا في صناعة السياسات الاقتصادية، ومنصة للحوار بين الحكومة والقطاع الخاص، ومركزًا للمعلومات والبيانات، ومساهمًا في جذب الاستثمار وربط مجتمع الأعمال المحلي بمحيطه الإقليمي والدولي.


كما أن القطاع الخاص مدعو إلى توسيع دوره من التجارة والاستيراد إلى الإنتاج والصناعة والخدمات اللوجستية والتقنية والطاقة والصناعات الغذائية والسمكية والدوائية وغيرها من الأنشطة التي تستطيع عدن أن تبني حولها قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.


فالاقتصاد الذي يستهلك أكثر مما ينتج يبقى أكثر هشاشة أمام الأزمات، بينما الاقتصاد الذي يحول التجارة إلى استثمار، والاستيراد إلى إنتاج، والموقع إلى خدمات وقيمة مضافة، هو الأقدر على بناء الاستقرار.


ومن هنا فإن العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص ينبغي أن تقوم على شراكة مؤسسية قائمة على الثقة والوضوح والمسؤولية المتبادلة؛ فالدولة مسؤولة عن التشريع والتنظيم وحماية المنافسة وتبسيط الإجراءات، والقطاع الخاص مسؤول عن الاستثمار والإنتاج والتشغيل والابتكار.


وعدن مؤهلة لأن تكون نموذجًا لهذه الشراكة؛ فهي لا تبدأ من الصفر. لديها تاريخ تجاري عريق، وميناء معروف، وغرفة تمتد جذورها إلى القرن التاسع عشر، وقطاع خاص ذو خبرة متراكمة، وموقع على أحد أهم طرق الملاحة الدولية.


ما تحتاجه عدن هو تحويل هذه المزايا من إمكانات كامنة إلى مشروع اقتصادي متكامل؛ يعيد للميناء دوره، ويفعّل المنطقة الحرة، ويربط التجارة بالصناعة، ويطور الخدمات البحرية واللوجستية، ويستقطب رؤوس الأموال، ويفتح مساحة أوسع للشباب ورواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.


إن مائة وأربعين عامًا من تاريخ غرفة عدن تعلمنا أن الاقتصادات لا تبنى بالقرارات وحدها، بل بالتراكم والثقة والمؤسسات.


لقد تغيرت عدن كثيرًا منذ عام 1886م، لكن الجغرافيا ما زالت هنا، والميناء ما زال هنا، وروح التجارة ما زالت حاضرة.


وما بين تاريخ عريق ومستقبل يمكن صناعته، تبقى الفرصة قائمة أمام عدن لاستعادة دورها، لا باستنساخ صورة الماضي، وإنما ببناء عدن جديدة تستلهم أفضل ما في تاريخها وتستخدم أدوات عصرها.


فعدن التي نريدها ليست مدينة تعيش على ذكريات ازدهارها، بل مدينة تصنع ازدهارًا جديدًا.


وفي الذكرى الأربعين بعد المائة لتأسيس غرفة عدن التجارية والصناعية، فإن أصدق تهنئة لهذه المؤسسة العريقة، ولقيادتها ومنتسبيها ومجتمع الأعمال في عدن، هي أن نجدد الثقة بقدرة المدينة على النهوض، وأن نحول تاريخها التجاري من مصدر للاعتزاز إلى قاعدة للانطلاق.


140 عامًا مضت، وبقيت الغرفة شاهدًا على تاريخ عدن؛ والتحدي اليوم أن تكون، مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، شريكًا في صناعة مستقبلها