آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-07:01ص

سـؤالٌ بـريء.. لكـن إجـابته تغـيّر مصـير اليـمن

الجمعة - 28 أغسطس 2026 - الساعة 05:15 م

د. هاني بن محمد القاسمي
بقلم: د. هاني بن محمد القاسمي
- ارشيف الكاتب

قـد يبدو السؤالُ في صياغته الأولى بسيطًا، أشبه باستفهامٍ عابر: "هـل نـحـن مـع الوطـن أم ضـده؟"


لـكـنه، في السياق اليمني الراهـن، يحملُ في طيّاته أكثر مما تحتمل العبارة. إنه ليس سـؤالًا عن الانتماء، بل عن الجوهر؛ ليس عن المشاعر، بل عن الأفعال؛ ليس عن الخطابات، بل عن الممارسات التي تُعيد تعريف علاقتنا بهذا الكيان المسمّى "وطـن".


لا نقـصد بالوطن حكـومةً عابرة، ولا حـزبًا متنفّذًا، ولا جـماعةً متحالفة، ولا مـشروعًا سياسيًا آنيًا.


الوطـن أوسـع من هذا كلّه؛ إنه الفضاء الذي تتشكّل فيه الهوية، والأرض التي ترتوي منها الذاكرة، والإطار الذي تنتظم فيه الحقوق والواجبات.


أمّـا الدولـة، بمفهومها القانوني الحديث، فهي ليست ملكًا لمن يتقلّد السلطة في لحظةٍ ما، بل هي كيانٌ عامٌّ قائم على أسسٍ ثابتة: تُصان فيه الحقـوق، وتُحترم فيه المؤسـسات، وتُدار فيه الموارد بشفافـيةٍ وفق القانون، وتُمارس فيه السلـطة بوصفها مسؤوليةً، لا غنيمةً، وتكليفًا، لا تشريفًا.


ليـست أزمـة اليمن مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هي أزمةٌ وجوديةٌ في مفهوم الدولة نفسها. بـعد سنوات الصراع، ها هي المؤسساتُ تتهاوى، والاقتصادُ يتقلّص إلى أقلّ من نصف حجمه السابق، وها هو النفوذُ يتفتّت خارج الأطر الرسمية، والمجتمعُ يئنّ تحت وطأة إرهاقٍ متراكم.


الأرقـام لا تكذب: أكثر من 22 مليون يمني سيحتاجون إلى مساعدةٍ إنسانية خلال عام 2026، وفق تقديرات الأمم المتحدة، وهذا يعني أن أكثر من ثلثي الشعب يعيشون على حافة الهاوية، بينما تتنازع القوى السياسية ما تبقّى من مقوّمات الدولة.


مـتى كان الحديث عن توحيد الإيرادات وضبط الموارد العامة رفاهيةً سياسية؟ ومتى كان تعزيز استقلال المؤسسات المالية وتحسين الخدمات ترفًا فكريًا؟


إن هـذه الملـفات، في حقيقتها، ليست اقتصاديةٍ فحسب، بل هي دستوريةٌ وقانونيةٌ بامتياز، لأنها تجيب عن أسئلة كبرى: لمن تعود الموارد العامة؟ ومن يملك القرار في إنفاقها؟ ومن يتحمّل مسؤولية حمايتها من العبث والهدر؟


"الإجـابة عن هذه الأسئلة هي التي ترسم ملامح الدولة، لا مجـرد الشعارات".


لـكـن الخـطأ الأكبر هو أن نحصر الأزمـة في النخب السياسية وحدها؛ فالمجتمع أيضًا أمام مسؤوليته التاريخية في هذه المرحلة: كيف نطالب بدولة القانون، ثم نبحث عن استثناءٍ يمرّر مخالفةً لقريب أو صاحب نفوذ؟ وكيف نصرخ بمكافحة الفساد، ثم نغضّ الطرف حين يأتي الفساد مغلّفًا بمنفعةٍ شخصية؟ وكيف نريد مؤسساتٍ قوية، ونحن نبرّر الفوضى حين تخدم مصالحنا؟


الوطـن لا يُبنى بالخطابات، بل بثقافةٍ وطنيةٍ جامعة، تعي أن المصلحة العامة ليست مجرد شعار، بل هي الأساس الذي تقوم عليه حياة الناس جميعًا.


مـن المآسـي العميقة التي لحقت بالمجتمع اليمني، أن السياسة تحوّلت من وسيلةٍ لإدارة الاختلاف إلى أداةٍ لتوسيع الشرخ؛ فأصبح البعض يقيس وطنيته بقدر قربه من طرفٍ ضد طرف، وأصبح الموقف من السلطة هو الفيصل في الانتماء.


وهـنا لا بـد من وقفة حازمة: ليس كل من عارض السلطة ضدّ الوطن، وليس كل من أيّدها مع الوطن.


المعـيار الحقيقي ليس في الهتاف، بل في الممارسة: هل يخدم الموقـفُ الدولةَ أم يهدمها؟ هل يحمي القانونَ أم يستبدله بالأهواء؟ هل يعزّز المؤسساتِ أم يكرّس تعدد مراكز القوى خارجها؟ هل يصون المال العام أم يبرّر العبث به؟ هل يمهّد للسلام أم يرسّخ الانقسام كأسلوب حياة؟


لا تحـتاج اليمن اليـوم إلى مزيدٍ من التخندق، ولا إلى خطاباتٍ تستنزف المتبقي من طاقتها؛ ما تحتاجه هو إعادة تعريفٍ جريئة للأولويات: استـعادة هيبة الدولة، لا بوصفها سلطةً قمعية، بل كضامن للحقوق. إعـادة الاعتبار للمؤسسات، وجعلها هي المرجع، لا الأشخاص. جـعل القانون فوق الجميع، بلا استثناءات. تحـويل الوظيفة العامة إلى تكليفٍ ومسؤولية، لا إلى مصدر نفوذ أو مكاسب. جـعل الموارد العامة حقًا للشعب، لا مجالًا للمساومات السياسية.


"مـهـما بلـغ التعب والإحباط من المواطن اليمني، يظل هو شريكًا أساسيًا في أي مشـروع نهـضوي".


المجتـمع الذي يرفـض الفساد، ويحترم النظام، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويرفـض خطاب الكراهية، ويدافـع عن حق الآخر في الاختلاف، هو مجتمع يضع حـجر الأسـاس لدولة حقيقية قابلة للحياة. وفي المقابل، على النخب السياسية أن تستوعب حقيقةً لا مفرّ منها: الناس لم يـعودوا يحتملون أن تتحوّل خلافاتكم إلى جوعٍ يملأ بيوتهم، وانقطاعٍ للتيار الكهربائي عن أطفالهم، وانهيارٍ لعملتهم بين أيديهم.


فـ الجـوع لا يعرف انتماءً سياسيًا، والخدمات المتوقفة لا تفرق بين مؤيد ومعارض، وسعر الصرف لا يسأل المواطن عن موقفه قبل أن يضرب قدرته على الصمود.


أمّـا الإعــلام، فله في هذه المعادلة حـضورٌ لا يمكن تغافله؛ فهو ليس ناقلًا محايدًا للأحداث، بل هو صانعٌ للوعي أو هادمٌ له، حسب الرسالة التي يحملها.


حـين يتحوّل الإعـلام إلى منصّةٍ لتأجيج الخصومة، وتكريس الانقسام، وتقديم المبرّرات لكلّ طرفٍ على حساب الحقيقة، فإنه يكون قد تخلى عن دوره الوطني، وصار جزءًا من المرض لا من الدواء.


وفـي المـقابل، حين ينهض الإعـلام بـدوره التنويري، فيكشف الفـساد دون محاباة، ويرصد الانتهاكات دون تخويف، ويُعلي صوت المواطن العادي فوق أصوات النخب المتنازعة، فإنه يتحوّل إلى رافعةٍ حقيقية للدولة والمجتمع معًا.


الإعــلام اليمني اليوم بحاجة إلى مراجعة أخلاقية قبل أن يكون بحاجة إلى تمويل أو تقنية، لأنه حين يغيب الصدق، يصبح كلّ ما يبثّه مجرد ضجيجٍ يزيد الأزمة عمقًا.


لـذلك، فـإنّ السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نضعه أمامنا كلّ يوم هو: مـع مـاذا نحـن؟ إن كنا مع الدولـة، فنحن مع القانون. وإن كنا مع القانـون، فنحن مع المؤسسات. وإن كنا مع المؤسـسات، فنحن مع المساءلة والشفافية. وإن كنا مع الـوطـن حقًا، فعلينا أن نقبل بأنّه أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأسمى من الأحزاب، وأعظم من كلّ الحسابات الضيقة.


ســؤالٌ بـريء، إذن، لكـن إجـابته تحتاج إلى شجاعة نـادرة: هـل نحـن مع الوطـن حـقًا، أم أننا نريـد وطنًا على مقاس مصالحنا ومواقـفنا؟


الـوطـن لا يطلب من أبنائه أن يتفقوا في كلّ شيء، لكنه يطلب منهم ألّا يجعلوا اختلافهم ذريعةً لهدم ما تبقّى منه.


وفـي اللحـظة التي يصبح فيها الوطن هو الثابت، والسياسة متغيرًا، والمصلحة العامة هي المعيار، والقانون هو المرجع، عندها فقط يمكن لليمن أن تبدأ رحلة التعافي الحقيقي. لا لأن الخلافات ستختفي، بل لأن الخلاف سيعود إلى مكانه الطبيعي: داخـل الـدولة، لا فـوقـها.