آخر تحديث :السبت-22 أغسطس 2026-05:05م

الفـسـاد عـائـق الإصـلاح والنـهـضة

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 02:29 م

د. هاني بن محمد القاسمي
بقلم: د. هاني بن محمد القاسمي
- ارشيف الكاتب

ليـست الدول بحاجةٍ إلى كثرة الشعارات بقدر حاجتها إلى مؤسساتٍ تحكمها القواعد، وتضبطها المسؤولية، وتحميها سيادة القانون.

وحـين يتسلّل الفـساد إلى مفاصل الدولة، إداريًّا وماليًّا وسياسيًّا، فإنه لا ينهب المال العام فحسب، بل ينهك فكرة الدولة ذاتها، ويحوّل الإصلاح من مشروعٍ وطني إلى مجرّد خطابٍ مؤجّل.

فـ الفـساد الإداري لا يبدأ دائمًا باختلاس المال؛ قد يبدأ بتعطيل المعاملة، أو إساءة استخدام السلطة، أو تقديم الولاء على الكفاءة، أو تحويل الوظيفة العامة إلى امتيازٍ شخصي.

وعـندمـا يصبح المنصب وسيلةً للمحاصصة، وتُقدَّم العلاقـات على المؤهـلات، فإن المؤسسة تفقد قدرتها على أداء وظيفتها، ويصبح الإصلاح محكومًا بمنظومةٍ تقاومه من الداخل.

أمـا الفـساد المالي، فهو اعتداءٌ مباشر على حقوق المواطنين ومستقبل الدولة؛ فـكل مـالٍ عـام يُهدر، أو مشروعٍ يُنفَّذ بغير معايير، أو موردٍ يُستغل لمصلحةٍ خاصة، هو في حقيقته موردٌ يُنتزع من التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية، ومن حق الأجيال القادمة في دولةٍ أكثر قدرةً واستقرارًا.

وفـي اليـمن، يتحوّل هذا الهدر إلى انعكاسٍ يومي ملموس: رواتب متأخـرة، خدمات صحية منـهارة، وشوارع ومدارس تنتظر سنواتٍ دون إنجـاز.

ولا يـقلّ الفـساد السياسي خطورةً عن ذلك؛ لأنه يُفسد القرار العام حين تصبح المصلحة الوطنية خاضعةً للمصالح الضيقة، أو حين تُدار المؤسسات بمنطق النفوذ بدلًا من منطق القانون.

والـدولة التي تتعدد فيها مراكز القرار، أو تتداخل فيها المصالح السياسية مع الاختصاصات المؤسسية، تجد نفسها أمام إصلاحٍ شكلي لا يمسّ جذور الخلل.

ومـن هـنا، فإن مكافحة الفساد ليست حملةً موسمية، ولا تصفيةً لحساباتٍ سياسية، وإنما هي مشروعٌ لبناء الدولة. تبدأ بتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة، وتعزيز استقلال القضاء، وإقرار الشفافية في المال العام، وربط شغل الوظائف العامة بالكفاءة والاستحقاق، وتجريم استغلال النفوذ وتضارب المصالح، وإخضاع الجميع للقانون دون استثناء.

وفـي السـياق اليمني، يـظل تفعيل دور الهيئة الوطنية العليا لمكافحـة الفـساد، وربـط المساعدات الدولية بمعايير الشفافية، وخطوات عملية يمكن البدء بها دون انتظار حلول سياسية شاملة.

غـير أن المواجـهة المؤسسية وحدها لا تكفي؛ إذ يحتاج الإصلاح أيضًا إلى مواجهة ثقافة الفساد المتأصلة في بعض المجتمعات، حيث يُنظر أحيانًا إلى من يلتزم بالقانون على أنه "ضعـيف" أو "غير ذكـي".

وهـنا يأتـي دور التعليم والإعلام والمجتمع المدني في إعادة تشكيل الوعي العام، بحيث يصبح الفساد وصمةً لا مكسبًا، والنزاهة قيمةً لا عبئًا.

وفـي الوطـن، حيث تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، تصبح مكافحة الفساد أكثر إلحاحًا؛ لأن استمرار الهدر وضعف المؤسسات لا يُطيل عمر الأزمة فحسب، بل يجعل الخروج منها أكثر كلفةً وتعقيدًا.

"وليـس من المنطقي أن نطالب الدولة بالنهضة بينما نسمح للفساد بأن يستنزف قدرتها على النهـوض".

الإصـلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بمدى انعكاسها على أداء المؤسسات وحياة الناس؛

والنهضة لا تُبنى بمجرّد تغيير الأشخاص، وإنما بإصلاح القواعد التي تحكم العمل العام، بحيث يصبح المنصب تكليفًا لا تشريفًا، والمال العام أمانةً لا غنيمة، والسلطة مسؤوليةً لا امتيازًا.

إن معـركة الدولة مع الفساد ليست معـركةً ضد أفرادٍ بعينهم، بل ضد ثقافةٍ وممارساتٍ ومصالحَ تحاول أن تجعل من ضعف الدولة بيئةً مناسبةً لاستمرارها.

ولـذلك، فـإن الإصلاح الذي لا يواجه الفساد بجديةٍ سيظل ناقصًا، والنهضة التي لا تحميها مؤسساتٌ نزيهة ستبقى هشّةً وقابلةً للانتكاس.

فـ إذا أردنا وطنًا قـادرًا على النهوض، فعلينا أولًا أن نحرّر مؤسساته من الفساد؛ لأن الدولة لا تنهض بما تملك من موارد فقط، وإنما بما تملكه من نزاهةٍ في إدارة تلك الموارد، وعدالةٍ في توزيعها، وقانونٍ يعلو على الجميع.

وحـين تصبح مكافحـة الفـساد قاعـدةً للحكم لا شـعارًا للاستهلاك، يصبح الإصلاح ممكنًا، وتصبح النهضة مشروعًا وطنيًّا قابلًا للتحقق.

عـدن: 22. أغسطس. 2026م