أطل علينا قبل مدة وزير الدفاع الجديد، وكالعادة أسد في الخطابات، بليغ في الكلمات، لكنه كما يُقال : أسد عليَّ وفي الحروب نعامة! مطلقا كلمات لم تكن مجرَّد سردية عابرة بل إشهارا لحقبة جديدة من الإنقسام، والأجدر به قبل أن يوحد القرار بحسب زعمه كان يجب أن يتحدَّث عن توحيد الحقوق .
جاء خطابه هزيلا، يفتقر للمصداقية والحكمة، وليته لم يتفوه به! فلم يعكس إلا جهله وسوء طويته.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه عن ربط القرار، وتوحيد المسار، استعدادا لمعركة وطنية تستعيد الدولة المنهوبة، والإرادة المسلوبة، خرج بتصريحهِ الصادم مستبعدا فيه المنطقة العسكرية الرابعة من بعض حقوقها الواجبة، وكأن الوطنية أصبحت تقاس بالأماكن دون الشواهد .
تصريح فتح أبوابا واسعة من الأسئلة المشروعة أهمها :
كيف يمكم التحدث عن معركة وطنية وهناك تمييز عنصري ومناطقي مقيت يمارس ضد من كان لها السبق في التضحية؟
وكيف سيبنى جيش أسس على الإقصاء والتفضيل؟
لعل المتابع المتفحص سيرى بوضوح دلالة ذلك الخطاب الذي لم يكن سزى تكريس للإقصاء وعقلية لا تؤمن بالدولة بل بالقبيلة!
فقد صور الوزير أن الجيش في مأرب وحدها من كان له الفضل، ودونه سراب بل وخراب! بينما قد عانى الجيش من التسلق والتسلط بشكل عنصري وجاهلي، فبالرغم من تلك السلسلة التي مرَّت بها المنطقة العسكرية الرابعة من الإقصاء وتكالب القوى عليها وقفت ثابتة وشامخة في وقت لم يكن الوزير ولا جيشه المزعوم أي وجود يُذكر أو موقف يشكر .
لقد حاولت المنطقة الرابعة أن تعيد الدولة وتبني ملامحها، وتخوض صراعات لأجل بقاء الجمهورية وثوابتها، كانت مأرب تترنح في دهاليز القبيلة، والتي ما زالت متحكمة بصنع قرارها ومناصبها بل ومكاسبها، تاركة واقعها يُهدد من "القبيلة" لتتحول إلى غنيمة تتقاسمها القوى .
وبينما كانت المنطقة الرابعة تسطر أروع الملاحم أمام مشروع الخراب، رأينا مناطق عسكرية تسقط تباعا بشكل متسارع بكل مقوماتها دون أدنى مقاومة .
وفي الوقت ذاته كان أفراد المنطقة الرابعة، يعانون نقصا في الذخائر والعتاد، وكان أبناؤها يترجلون في مختلف المواقع والجبهات، بأجساد نحيلة أنهكها الجوع والعطش إلا أن إرادة أبنائها كانت صلبة ومتقدة، كانت مأرب تعاني من تخمة لكثرة الدجاج .
فلم يخطر ببال وزير الدفاع "العقيلي" بأنه بحاجة إلى خبرات تلك المنطقة وكفاءتهم؟
ولعل أبسط سؤال نقدمه هو أين ذلك الجيش المزعوم من عمليات التقطع والقتل وإيقاف الخدمات عن عامة اليمنيين؟
وأين هو ذلك الجيش والمواطن يواجه أزمات يومية كنقص الماء وأزمات الكهرباء والوقود؟
نرى بأنه ليس إلا جيشا -وإن تم تصوير بأن كقوة وطنية فاعلة- ليس إلا جيشا على الأوراق ليس أكثر!
جيش فقط في سجلات القادة لا أكثر ولا أقل!
بينما يُرى على أرض الواقع أن القبيلة هي من ترسم حدود السلطة وتضع شروطها وتفرض رأيها .
وفي وقت تحتاج القوات فيه لتلاحم، ولخطابات ومواقف جامعة بناءة،
صدرت عنه تصريحات هدامة ومواقف رمادية وتكريس للإقصاء والتهميش!
إن المحاولات التي تسعى لتصوير مأرب وحدها كأنها مركز الوطنية وقبلة الأحرار ليست إلا تزويرا وقلبا للحقائق، وتكريسا لسلطة القبيلة على حساب الدولة الحقيقية، فالوطن ليس بحاجة لخطابات رنانة ولا إلى شعارات فارغة، بل إلى جيش حقيقي يحمي الحقوق والدماء، ويصون المكتسبات، جيش يراعي كل المناطق، كالجسد الواحد دون تمييز، ويقف على مسافة واحدة مع جميع الوحدات .
وقد أثبتت التجارب بأن الخطابات الإقصائية والتهميش لا يمكن أن يبني دولة واعدة، بل يهدم ما تبقى من تلك المؤسسات، وإذا كان الوزير الجديد يريد أن يبني هذه المؤسسة فعليه أن يوحد الحقوق أولا، وأن يعترف بتضحيات الجميع وبذلهم، وأن لا يختزل الوطنية في منطقة دون أخرى ليحولها لأداة ابتزاز .
فالوطن بحاجة إلى خطاب حقيقي مسؤول، وإلى نظرة جامعة، توحد جميع القوى، إلى جيش لا يعرف العصبية أو يعاني أفراده التمييز، جيش كتب تاريخه على الأرض لا على الأوراق، ويثبت تواجده بالفعل لا بالخطابات والتصريحات، أما بقاؤه على مجرَّد الشعارات، فذلك ليس إلا استمرارا وامتهانا للخراب، وتكريس واقع للقبيلة والمليشيا على حساب الدولة وجنودها الذين بذلوا كل نفيس لأجل بقائها وإعلائها، فالمعركة تحتاج اصطفافا وجيشا كالجسد الواحد، ليس جيشا ممزقا مشحونا بالولاء والإنتماء والعنصرية .