آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-02:48م

مات أبو جهل ، فعاش الجهل يتمياً حتى تبناه سفهاء هذا الزمان !

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 02:03 م

د. سعيد الحرباجي
بقلم: د. سعيد الحرباجي
- ارشيف الكاتب

مات أبو جهل يوم بدر، وطُويت صفحة رجلٍ ظن أن موته سيطوي معه عصرًا من الظلام.

لكن الذي لم يمت يومها هو الجهل نفسه..

فقد خرج من بين الغبار يتيمًا، يلتفت يمنةً ويسرةً يبحث عن كفيل، حتى وجد في هذا الزمان من فتح له الأبواب، وأجلسه على العروش، ومنحه الألقاب، ثم قال للناس بكل وقاحة: هذا هو صوت الحكمة!!!


ولم يحتج الجهل إلى كثير من الوقت ليثبت أقدامه؛ فالأسواق كانت عامرة، والمزاد مفتوح، والمشترون كُثر.

كان يكفي أن يرفع أحدهم شعارًا أجوف، أو يصرخ في وجه الحقيقة، حتى تنهال عليه التصفيقات، وكأنه جاء بما لم تستطعه الأوائل.


لقد تغيّر الزمن، لكن الحيلة بقيت كما هي.

لم يعد الجهل يلبس عباءة الجاهلية الأولى، بل ارتدى بدلة أنيقة، وتعلّم لغة السياسة، وصار يتحدث عن الحرية وهو يصادرها، وعن العدالة وهو يدفنها، وعن الوطنية وهو يبيعها في أول مزاد.


وإذا ضاقت به الحجة، استعان بالجماهير التي لا يمنحها حق التفكير، وإنما يكتفي بمنحها حق الهتاف.

أما الشعوب:

فقد أُتقنت صناعة إلهائها.

تُرمى إليها كل يوم قضية جديدة، وعدو جديد، ومعركة جديدة، حتى تنشغل بالحرائق الصغيرة، بينما الوطن كله يحترق من الداخل.

يتقاتل البسطاء على الفتات، ويتقاسم الكبار المائدة في هدوء، ثم يخرجون على الشاشات ليحدثونا عن التضحية والصبر!!!


ما أعجب هذا العصر!!!

صار الكذب مؤسسة، والإشاعة وسيلة إعلام، والتضليل علمًا يُدرَّس، وأصبح صاحب الفكر متهمًا حتى يثبت جهله، وصاحب الضجيج حكيمًا حتى يثبت العكس.


إن أخطر ما فعله ورثة أبي جهل أنهم لم يعلنوا حربًا على العقول، بل أعلنوا حربًا على الوعي. فالإنسان الواعي لا يُشترى، ولا يُستأجر، ولا يُقاد بالعصا أو بالشعار.

لذلك كان لا بد من إغراقه في الضجيج، حتى يختلط عليه الحق بالباطل، والجلاد بالضحية، والخائن بالمخلص.


وهكذا ظل الجهل يتنقل من جيل إلى جيل، لا بوراثة الدم، وإنما بوراثة المصالح.

فكلما مات أحد أوصيائه، خرج آخر يحمل الراية نفسها، ويُقسم أنه جاء لينقذ الأمة، بينما لا يفعل سوى إتقان فنون هدمها.


ولعل الحقيقة الأكثر إيلامًا أن أبا جهل، لو عاد اليوم، لوقف حائرًا أمام تلاميذه الجدد.

فقد تجاوزوه في صناعة الوهم، وأتقنوا من أساليب الخداع ما لم يكن يخطر له على بال. كان يواجه الحق صراحة، أما هم فيغتالونه وهم يبتسمون، ويهدمون الأوطان وهم ينشدون الأناشيد، ويبيعون مستقبل الشعوب ثم يطالبونها بالتصفيق.


لذلك، ليست المأساة أن أبا جهل مات... بل المأساة أن الجهل وجد في كل عصر من يكفله، ويدافع عنه، ويمنحه شرعية البقاء.

وحين يصبح الجهل قائدًا، ويُنفى العقل، وتُسجن الحقيقة، فلا تسأل: من الذي قتل الوطن؟

بل اسأل: من الذي ربّى الجهل حتى صار وصيًا على مصير أمة بأكملها؟