آخر تحديث :الأحد-19 يوليو 2026-11:03م

الجودة الأكاديمية تبدأ من الجودة الإدارية والرقمنة

الأحد - 19 يوليو 2026 - الساعة 05:28 م

أ. د. عبدالحكيم باقيس
بقلم: أ. د. عبدالحكيم باقيس
- ارشيف الكاتب

في البداية أود التأكيد أن هذا المقال ليس القصد منه اتهام مؤسسة جامعية بعينها، أو انتقاد شخصيات مسؤولة أو قيادات أكاديمية محددة، ولا يقصد به التقليل من أية جهود تبذلها الإدارات الجامعية على مستوى الوطن المكلوم بالحرب والفساد، بقدر ما هو نتاج أوضاع إدارية عامة نجد أنفسنا ضحاياها دون قصد، بما في ذلك الجامعات نفسها، طلابًا وباحثين وموظفين وأكاديميين وقيادة جامعية، فجميعنا أعضاء في جسد أكاديمي نرجو أن يكون في أفضل حال، ويحتفظ لكل منتسبيه بحقوق قانونية متساوية.

ففي الوقت الذي بات الحديث عن معايير الجودة الأكاديمية وتطوير البرامج التعليمية ظاهرة إعلامية عامة، ولم يخل أسبوع من خبر مؤتمر أو ورشة تدريب أو ندوة أو اجتماع هنا أوهناك عنه، يغيب أي تصور أو إنتاج رؤية واضحة في معالجة أوضاع البنية الإدارية الجامعية الجامدة منذ عقود، التي هي العصب الفعلي أو اللوجستي في تنظيم العمل وتسيير وتسييل كل متطلبات العمل الأكاديمي وجودته، ففي الأوضاع الحالية يمضي المراجع طالبا أو باحثاً أو مدرساً وهو يحمل وثائقه وأوراقه بيده من مكتب إلى آخر، وفي انتظار موظف ما، ربما تتعطل الأعمال لغيابه، فتستنزف طاقات الأفراد وأوقاتهم وأموالهم وأعصابهم في حلبة نظام إداري تقليدي عاجز عن مواكبة نظم تطور الأداء المؤسسي، وربما تتكدس الأوراق والملفات أو تضيع وربما يلتهم بعضها بعضًا، في حدث قد يبدو للبعض مجرد خطأ فردي، أو واقعة استثنائية، لكنه بالنسبة لصاحب المعاملة كارثة حقيقية لا أحد يتحمل مسؤوليتها، فكل ورقة أو وثيقة هي نتاج سنوات من المكابدة في الدراسة أو البحث أو التدريس، وخلف كل سطر فيها تكمن رحلة من حياة ومعاناة وذاكرة من العمر والجهد المهني، فضلا عمّا يسببه ذلك من أذى نفسي وذهني يسببه تعثر المعاملات أو ضياعها!.

إذن جميع مؤسساتنا الرسمية، والأكاديمية منها على نحو خاص، بحاجة إلى سرعة الانتقال من الأرشفة الورقية إلى الإدارة الرقمية أو (الذاكرة الرقمية) وتطوير الربط الشبكي بين مختلف الإدارات، ولو على مستوى المؤسسة الواحدة، بما يسهل الأعمال الإدارية وإنجازها في وقت قصير، ويحفظ للجميع حقوقهم، فالإدارة الجيدة لا تكتفي بمعالجة الخطأ عند حدوثه، بل تعمل على عدم تكرار حدوثه، كما أن الإدارة الرقمية لا تعني استبدال الورق بالكمبيوترات والبرمجيات التطبيقية المعروفة فحسب، وإنما إعادة بناء النظام الإداري رقميًا، بحيث يكون لكل موظف ملفه الإلكتروني الخاص وسجله الوظيفي الرقمي الذي يحفظ وثائقه وكل معاملاته، وتتم العودة إليه وتغذيته ذاتيًا عند كل معاملة، فضلا عن وجود نظم الربط بكل ما يتصل بها، من محاضر الأقسام والمجالس العلمية وغيرها، فلا يحتاج عضو هيئة التدريس، مثلا، عند البدء بأية معاملة إدارية أو أكاديمية أن يحمل كل أوراقه وشهاداته وقراراته ووثائقه في رحلة مكوكية من التصوير والنسخ والأختام والمصادقات والصور والأصول المحشوة في عدد من الملفات (غالبًا من ثلاثة إلى خمسة ملفات) في كل مرة، وكأن الجامعة التي أفنى فيها عمره تتعرف عليه للمرة الأولى!.

إن تطبيق النظام الإداري الرقمي أو (الحوكمة الرقمية) سوف يصون حقوق الفرد والمؤسسة، ويتيح للفرد أن يعلم أين وصلت معاملته إلكترونيا، ويعرف أين توقفت ولماذا؟، وما الذي تتطلبه عند الضرورة؟، كما أن النظام الإداري الرقمي يحدد المسؤولية، ويضمن الإجابات الدقيقة، ويقلل من الأخطاء ويحقق النزاهة والشفافية، فالعمل الجيد لا يقاس بالاجتهادات البيروقراطية وتكديس الملفات والأوراق في الأدراج، وكثرة التوقيعات والأختام والتأشيرات، وإنما باحترام الوقت والحقوق وسرعة الانجاز وإدارة المعرفة وتطويرها، والسؤال الذي يجب أن يشغلنا الآن هو: كيف نبني نظاما إداريا حديثا، لا تضيع فيه الملفات أو تتأخر المعاملات أو تُهمل أرشفتها؟ بل كيف نجعل النظام الإداري الرقمي شريكًا فاعلاً في تطوير الأداء المعرفي وصناعة الجودة الأكاديمية؟!.