ليست كرة القدم هي المشكلة؛ بل الطريقة التي تحولت بها عند بعض المجتمعات من وسيلة للترفيه وبناء الإنسان إلى أداة لإعادة تشكيل الأولويات وصناعة الهويات وإثارة الانقسامات. وبين المتعة المشروعة والهوس المدمر؛ يبرز السؤال: من يقود من؟ الإنسان أم اللعبة؟
في كل مرة تتوقف فيها الحياة من أجل مباراة، وتخلو الشوارع إلا من جماهير تحدق في الشاشات، يبدو واضحا أن كرة القدم لم تعد مجرد رياضة؛ لقد أصبحت صناعة عالمية عملاقة، ولغة مشتركة تتجاوز الحدود، وقوة ناعمة قادرة على التأثير في الوعي الجمعي أكثر مما تفعله كثير من المؤسسات الثقافية والإعلامية. غير أن السؤال الذي يستحق التأمل ليس: لماذا يحب الناس كرة القدم؟ بل: كيف تحولت لعبة صُممت للمتعة والتنافس إلى معيار للانتماء، وأحيانا إلى سبب للخصومة والكراهية واختلال سلم الأولويات؟
المفارقة أن الجدل حول الرياضة ينزلق غالبا إلى أحد طرفين متناقضين؛ فهناك من يتعامل معها باعتبارها ترفا مذموما لا مكان له في حياة الإنسان الجاد، وهناك من يمنحها مساحة تتجاوز حجمها الطبيعي حتى تكاد تصبح محور يومه، ومصدر فرحه وحزنه، ومقياس نجاحه وإخفاقه. وبين هذين الطرفين يغيب الموقف المتوازن الذي يرى الرياضة كما هي: نعمة؛ إذا بقيت في حجمها الطبيعي، ومشكلة؛ حين تتجاوز وظيفتها.
من الخطأ أن يُصوَّر الإسلام بوصفه دينا يعادي الفرح أو يضيق على الناس في وسائل الترويح. فالإنسان في التصور الإسلامي ليس روحا مجردة ولا جسدا منفصلا عن القيم؛ وإنما كيان متكامل يحتاج إلى العبادة كما يحتاج إلى الحركة، ويحتاج إلى العمل كما يحتاج إلى الراحة؛ لذلك جاء الحديث النبوي: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، ليؤكد أن القوة بمعناها الشامل قيمة مطلوبة، تشمل قوة الإيمان، وقوة الجسد، وقوة الإرادة، وكل ما يعين الإنسان على عمارة الحياة والقيام بمسؤولياته.
لكن المشكلة لا تبدأ من الرياضة نفسها؛ بل من الطريقة التي يُعاد بها تشكيل علاقتنا بها؛ فالوسائل تتحول أحيانا إلى غايات، وما كان مجرد ترفيه يصبح هوية، وما كان وسيلة لاستعادة النشاط يغدو مستهلكا للطاقة والوقت والانتباه. هنا يكمن الخلل الحقيقي؛ لأن اختلال الأولويات لا يحدث فجأة؛ بل يبدأ حين يستولي الهامش على موقع المتن، ويتقدم العابر على الدائم.
ولهذا لا يبدو مستغربا أن يعرف بعض الشباب تفاصيل انتقالات اللاعبين، وأرقام البطولات، وسير النجوم، بينما يجهلون كثيرا من القضايا التي تمس حاضرهم ومستقبلهم، أو يقصرون في واجباتهم الدينية والأسرية والعلمية. ليست المشكلة في المعرفة الرياضية ذاتها؛ وإنما في أن تتحول إلى المعرفة الوحيدة التي تستحوذ على العقل، وأن يصبح الانشغال باللاعبين أكبر من الانشغال ببناء الذات.
لقد أدركت الدول والشركات والمؤسسات الإعلامية مبكرا أن كرة القدم لم تعد مجرد منافسة رياضية؛ بل أصبحت صناعة اقتصادية هائلة، ومنصة إعلامية مؤثرة، وأداة لصياغة الهوية والانتماء؛ ولهذا تُنفق عليها مليارات الدولارات، ويُصنع حولها خطاب إعلامي قادر على تحويل لاعب إلى رمز عالمي، وناد إلى هوية ثقافية، وبطولة إلى حدث يشغل الكوكب بأسره.
هذا الواقع يفرض على المتلقي قدرا كبيرا من الوعي! فالإعلام لا يكتفي بنقل الأحداث؛ بل يعيد ترتيب أولويات الجمهور، ويصنع ما يستحق الاهتمام وما لا يستحقه. ومن هنا تأتي أهمية قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ فالوعي لا يعني رفض الإعلام، وإنما يعني مقاومة الانقياد الأعمى له، والقدرة على التمييز بين الإعجاب المشروع والاستلاب الفكري.
ومع ذلك؛ فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرياضة تحمل في داخلها طاقات تربوية هائلة إذا أُحسن توظيفها؛ فهي تعلم الانضباط، واحترام النظام، والعمل الجماعي، والصبر على التدريب، والالتزام بالخطة، وتحمل المسؤولية، وقبول الخسارة قبل الاحتفال بالنصر. وهي قيم تحتاجها المجتمعات في المدرسة، وفي سوق العمل، وفي مؤسسات الدولة، كما تحتاجها في الملاعب.
ولا يختلف هذا مع الرؤية الإسلامية التي تجعل الإعداد، والإتقان، والتعاون، والصبر سننا للحياة كلها؛ لا للمنافسة الرياضية وحدها؛ فالنجاح لا يولد من الأمنيات؛ وإنما من العمل المتواصل، وهو المعنى الذي يؤكده القرآن في أكثر من موضع، ويجعله قاعدة عامة في بناء الأمم والأفراد.
غير أن الوجه الآخر للصورة أكثر إزعاجا؛ فحين يتحول الانتماء الرياضي إلى عصبية؛ يفقد الرياضة أجمل ما فيها. لا تعود المنافسة وسيلة لإظهار المهارة؛ بل تصبح ذريعة للعداء، ويصبح الخصم عدوا، ويغدو الاختلاف في التشجيع سببا للسباب والتشهير وربما العنف. وما نشهده في بعض الملاعب، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، من خطاب كراهية وسخرية وتحريض، يكشف أن الأزمة ليست في اللعبة؛ وإنما في الثقافة التي تحيط بها.
إن أخطر ما يفعله التعصب الرياضي أنه يعيد إنتاج العصبيات القديمة في ثوب جديد؛ فالولاء يصبح للشعار قبل المبدأ، وللون قبل القيمة، وللنادي قبل الإنسان. وهنا تتراجع الأخلاق أمام الانفعال، وتصبح الحقيقة أقل أهمية من الانتماء؛ ولذلك جاء التحذير النبوي الحاسم من العصبية؛ لأنها تفسد العلاقات قبل أن تفسد المنافسة.
وليس التعصب وحده هو الثمن؛ فهناك أيضًا الوقت الذي يُستهلك بلا حساب، والأموال التي تُهدر في الكماليات، والسهر الذي ينعكس على الصحة والعمل، والفرائض التي تُؤخر أو تُهمل بسبب مباراة عابرة. وهنا لا تصبح القضية قضية كرة قدم؛ بل قضية إدارة للحياة. فالوقت، في النهاية، هو المورد الوحيد الذي لا يمكن تعويضه، وكل ساعة تمضي لا تعود أبدا.
إن القرآن حين يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، فإنه لا يدعو إلى إلغاء متع الحياة، ولا إلى تحويلها إلى غاية تستعبد الإنسان. إنه يرسم معادلة التوازن؛ أن تستمتع بما أباح الله، دون أن تفقد بوصلتك، وأن تفرح دون أن تنسى مسؤولياتك، وأن تلهو دون أن يصبح اللهو هو الذي يدير حياتك.
ومن هنا؛ فإن إصلاح العلاقة بالرياضة لا يبدأ من إصدار الأحكام عليها؛ بل من إعادة بناء الثقافة المحيطة بها. فالأسرة مطالبة بأن تربي أبناءها على أن الأخلاق تسبق النتائج، والمدرسة مطالبة بأن تجعل الرياضة جزءا من بناء الشخصية، والإعلام مسؤول عن نشر الروح الرياضية بدلا من تسويق الكراهية، كما أن الأندية مطالبة بصناعة قدوات تجمع بين المهارة والانضباط، لا بين الشهرة والاستعراض فقط.
والأمم المتقدمة لم تجعل الرياضة بديلا عن العلم، ولا منافسا للأخلاق؛ وإنما جعلتها جزءا من مشروع متكامل لبناء الإنسان؛ ولذلك فإن المجتمع لا يحتاج إلى لاعب موهوب فحسب؛ بل إلى لاعب مثقف، وإلى طبيب رياضي، ومهندس رياضي، ومعلم يؤمن بأن الرياضة ليست هروبا من الحياة؛ بل تدريبا عليها.
في النهاية؛ ليست المشكلة أن نهتف لفريق، أو نفرح بهدف، أو نحزن لخسارة. هذه كلها مشاعر إنسانية طبيعية؛ المشكلة تبدأ حين تصبح المباراة أهم من العلاقات، والنادي أهم من المبادئ، والانتصار الرياضي أكبر من الانتصار على الأنانية والتعصب وسوء الخلق. عندها لا تكون الكرة قد خرجت من الملعب فقط؛ بل تكون قد احتلت مساحة في القلب لم تُخلق لها.
ولهذا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مشجع، وكل لاعب، وكل مؤسسة رياضية: هل ما نفعله بالرياضة يجعلنا أكثر انضباطا، وأكثر احتراما للآخر، وأكثر قدرة على بناء أنفسنا ومجتمعاتنا؟ أم أنه يحولنا، من حيث لا نشعر، إلى جمهور يصفق كثيرا؛ لكنه يخسر في كل مباراة جزءا من وقته، وهدوء قلبه، وسلم أولوياته؟
فالرياضة في نهاية المطاف ليست امتحانا للأقدام بقدر ما هي امتحان للعقول والقلوب. والأمم التي تنجح في هذا الامتحان هي التي تعرف كيف تستمتع باللعبة، دون أن تسمح لها بأن تتحول إلى اللاعب الحقيقي في حياتها.
نسأل الله أن يرزقنا قوة في الإيمان والأبدان والأخلاق، وفي العزائم، وأن يجعل نعمه عونا لنا على طاعته، ولا يجعلها سببا في الغفلة عن ذكره.
ودمتم سالمين!