آخر تحديث :السبت-18 يوليو 2026-03:13م

عندما تصبح الكراهية مشروعًا وطنيًا!

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 01:55 م

د. سعيد الحرباجي
بقلم: د. سعيد الحرباجي
- ارشيف الكاتب

إن الخطر الحقيقي على الأوطان لا يكمن في عدو يقتحم حدودها...

فالجيوش تُرى، والاحتلال يُقاوَم، والخرائط قد تُسترد.


ولكن الخطر الحقيقي هو ذلك السم الذي يتسلل إلى العقول، ويتخفى في هيئة انتماء ضيق، ويلبس ثوب الغيرة والولاء،... فهو أخطر من كل غازٍ...

لأنه يجعل الضحية تتولى بنفسها هدم بيتها، وهي تظن أنها تبنيه.


لقد أصبحت العصبية، والمناطقية، والجهوية، والمذهبية، في كثير من المجتمعات المأزومة... أصبحت ( صناعةً رابحة )!!!

بضائعها مجانية...لكنها تُدفع من

رصيد الوطن.

وأرباحها ...يجنيها تجار الأزمات.

بينما يسدد المجتمع الفاتورة من وحدته، وأمنه، ومستقبله.


فيا للمفارقة ...

ما أسهل أن يتحول الإنسان، بمجرد أن يولد في قرية أو محافظة أو جهة أو طائفة إلى مشروع خصومة مع من لم يختر هو الآخر مكان ميلاده!!!

وكأن الجغرافيا أصبحت شهادة حسن سيرة، أو صك إدانة، لا علاقة لها بالأخلاق ولا بالكفاءة ولا بالوطن.


في وطن أنهكته الحروب، كان الناس ينتظرون أن يتعلموا من الألم معنى المحبة ، فإذا ببعضهم يتعلم من الألم كيف يوسع دائرة الكراهية.


صار الانتماء للوطن عنوانًا باهتًا، بينما ارتفعت أسهم الانتماءات الصغيرة، حتى كأن الوطن لم يعد سوى فندق كبير، لكل نزيل فيه غرفة، ولا أحد يعترف بالممر الذي يضم الجميع.



المؤسف أن بعض الساسة لا يبحثون عن مواطن صالح..... بل يبحثون عن جمهور غاضب. فالمواطن الواعي يُحاسب، أما المتعصب فيصفق

الأول يسأل عن البرنامج.

والثاني يسأل عن القبيلة ، المنطقة ، المذهب..... !!!


الأول يقيس الإنجاز.

والثاني يقيس الأنساب.

وهكذا تتحول السياسة إلى سوق للمزايدات، ويصبح التعصب رأس المال الحقيقي.


ولأن التعصب لا يعرف العدالة، فإنه لا يرى الإنسان، بل يرى هويته.

فإن أصاب ابن جماعته قال: (اجتهاد)

وإن أخطأ غيره قال: (خيانة).

وإن نجح خصمه بحث عن ألف سبب لينكر نجاحه، وإن فشل صاحبه اخترع ألف عذر ليبرر فشله.


أيُّ منطق هذا الذي يجعل...

الكفاءة تُقاس (ببطاقة الهوية)

والنزاهة تُوزن( بلهجة اللسان)

والوطنية تُحدد (بخطوط الجغرافيا) !!!


إن أخطر ما تصنعه العصبية أنها لا تهدم المؤسسات فحسب، بل تهدم ميزان العدل. وحين يسقط العدل، يصبح المجتمع غابةً أنيقة؛ يرتدي أهلها البدلات الرسمية، لكنهم يتقاتلون بعقلية الثأر، ويتبادلون الاتهامات بلغة الانتماءات الضيقة.


وحين تستقر المناطقية ، والعصبية ،

والمذهبية في النفوس....

تتحول التنمية إلى (غنيمة)!!

والوظيفة إلى (مكافأة ولاء)!!!

والقانون إلى (نص يُفسَّر بحسب اسم الشخص لا بحسب حقه) !!!

عندها لا يعود الوطن دولةً...

بل مجموعة جزر متنافرة، يفصل بينها بحر من الشك والكراهية.


والأشد إيلامًا أن هذه الأمراض لا تكتفي بتمزيق الحاضر، بل تورث أبناءنا ذاكرة

مثقلة بالأحقاد.

فيكبر الطفل وهو لا يعرف جاره إلا من خلال روايات الكراهية، ولا يسمع عن الوطن إلا بوصفه ساحة لتصفية الحسابات....

فتنتقل العدوى من جيل إلى جيل، حتى يصبح التعصب ثقافة، والانقسام عادة، والكراهية إرثًا اجتماعيًا.

فياللطامة !!!



وإذا كان السلاح يقتل إنسانًا، فإن العصبية تقتل ( أمة ) !!!

وإذا كانت الحرب تهدم الحجر...

فإن التعصب ( يهدم البشر )!!!

وإعادة بناء الحجر أيسر كثيرًا من إعادة بناء الثقة بين القلوب.


إن الأمم لا تسقط يوم تفرغ خزائنها، بل يوم تمتلئ عقول أبنائها بالأوهام، ويصبح السؤال: «من أين أنت؟» أهم من السؤال: «ماذا قدمت؟»!!!

ويصبح الانتماء الضيق جواز المرور الوحيد إلى الحقوق والامتيازات !!!


إن الوطن الذي يُقسمه التعصب إلى طوائف وجهات ومناطق، لن تستطيع أي حكومة أن تجمعه بقرارات، ولن تعيده أي مؤتمرات إلى عافيته ما لم ينتصر الناس لفكرة المواطنة، ويؤمنوا بأن ( قيمة الإنسان فيما يحمل من خلق وعلم وعمل )....

لا فيما ورثه من اسم، أو لهجة، أو منطقة.


فلنحذر من أولئك الذين يتغذون على الانقسام؛ لأنهم كلما اتسعت الشروخ، اتسعت مصالحهم... إنهم لا يزرعون في الأرض قمحًا، بل يزرعون في النفوس ألغامًا، ثم يقفون بعيدًا يتفرجون على وطن يتآكل من الداخل، بينما يرددون بكل براءة: نحن حماة الوطن !!!


وما أشبههم بمن يشعل النار في سفينة، ثم يقف على سطحها يخطب في الركاب عن فضائل النجاة!!!