ها هو اليمنُ اليوم يقف عند باب الكد والفقد، مطأطئ الرأس، منكسر الخاطر، كأنّ الجبال التي طالما احتمت بها البلاد قد تصدّعت، وكأنّ البحر الذي يطوّق عدن صار ينوح على رجلٍ حمل وطنًا كاملاً في قلبه، ثم مضى وهو مثقلٌ بالخذلان والتعب.. رحل الرجل الوقور والحكيم.. عبد ربه منصور هادي، لا كرجلِ سلطةٍ فحسب، بل كآخرِ الحالمين بأن يبقى اليمن وطنًا يتّسع للجميع؛ الاشتراكي ، المؤتمر، الإسلامي، البعث، الناصري ، اليسار، اليمين للجنوب والشمال، للقبيلة والدولة، لا بل حتى للذين حملوا السلاح في وجهه، فلم يُعرف عنه أنّه دعا إلى إبادة، ولا فرح بدم، ولا زيّنته نشوة الانتقام.
وكأنّه كان يردّد بصمته الطويل قول أبي الطيب المتنبي: “وإذا كانتِ النفوسُ كبارًا.. تعبتْ في مُرادِها الأجسامُ”
لقد أتعبه اليمن وأضناه حملُه الثقيل، فالرجل لم يتسلّم دولةً مستقرة، بل تسلّم جمرًا مشتعلًا؛ خزائن خاوية، وجيشًا منقسمًا، وولاءاتٍ تتنازعها العواصم والقبائل، ثم جاءت الحرب فصار يمشي فوق حقل ألغام، يحاول أن يُبقي للدولة اسمًا، وللناس أملاً، وللدم اليمني حرمة.. لكنّ الحليمَ في بلادنا يُتَّهَم دائمًا بالضعف، والعاقلَ يُجلَد لأنّه لا يصرخ، ومن يطفئ النار لا يراه الناس مثل من يشعلها.
رحل الرجل في توقيتٍ يبدو فيه اليمن أكثر يتمًا من أي وقتٍ مضى؛ فكأنّ القدر أراد أن يقول لهذا الشعب المنهك: حتى الرجال الذين كانوا يمسكون الخيوط المرتعشة قد غابوا.
يا لله.. أيُّ قلبٍ اتّسع لهذا الرجل وهو يرى وطنه يتشظّى قطعةً قطعة، ولا يزال يمدّ يده للصلح؟
وأيُّ صدرٍ احتمل هذا الكمّ من الخذلان، فلم يلعن، ولم ينتقم، ولم يُشعل نارًا ليحترق بها الجميع؟
تبكيك الأرضُ التي عرفت طرقاتها جنديًا وقائدًا، وتبكيك السماءُ التي شهدت دعاءك الطويل لوطنٍ أنهكته الحروب،
لأنك اخترت حقن الدماء حين اختار كثيرون سفكها، واخترت الدولة حين اختار غيرك الغلبة، واختار اليمن الكبير حين تقاسمه الصغار.
تبكيك الأرامل واليتامى والفقراء والبسطاء والشرفاء الذي آثرت أن تعيش معاناتهم في جنة الدنيا عدن بعد الانقلاب ، فكانت وجهتك الأولى التي عرفته جنديًا ورئيسًا، وتبكيك صنعاء التي ظللت تحملها في قلبك وإن حالت البنادق بينها وبينك، وتبكيك مأرب وتعز وأبين وسقطرى، ولحج وحظرموت وكل الوطن الجريح، ويبكيك كلُّ يمنيٍّ أدرك متأخرًا أنّ بعض الرجال لا يُعرف قدرهم إلا بعد الرحيل.
وكأنّ لسان حال اليمن اليوم يردّد قول متمّم بن نويرة: “ لقد لامني عند القبور على البكا.. رفاقي لتذرافِ الدموعِ السوافكِ
فقالوا: أتبكي كلَّ قبرٍ رأيتَه؟.. لقبرٍ ثوى بين اللوى فالدكادكِ؟
فقلتُ لهم: إنّ الأسى يبعث الأسى.. فدعوني فهذا كلُّه قبرُ مالكِ”
فاليمن كلّه اليوم قبرٌ للأحلام المؤجلة، وقبرٌ للدولة التي أكلتها الحروب، وقبرٌ للطمأنينة التي غادرت البيوت منذ سنوات.
أيها الراحل.. لقد كنتَ تمشي بين الألغام السياسية كمن يحمل قنديلًا في عاصفة، لا هذا الفريق رضي عنك كامل الرضا، ولا ذاك غفر لك حيادك، لأنّك حاولت أن تكون رئيسًا لليمن كله، لا زعيمَ جماعةٍ أو طائفة.
ولعلّ أصدق ما يقال في وداعك قول أبي ذؤيب الهذلي: “والنفسُ راغبةٌ إذا رغّبتَها.. وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنعُ”
قنعتَ بالقليل من الدنيا، وحملت الكثير من الهمّ، وعشت سنواتك الأخيرة مطاردًا بالمرض والمنفى والحزن، بينما اليمن الذي حاولتَ حمايته كان يتداعى أمام عينيك حجرًا حجرًا.
رحلت وكأنّ في اسمك سيرةً كاملة، وفي حروفك قدرَ رجلٍ عاش بين العبودية لله والنصر على شهوة السلطة، والهداية إلى ما عجز عنه كثيرٌ من الحكّام.
فـ(عبدُ ربه).. لم يكن اسمًا عابرًا، بل كان في كثيرٍ من مواقفه وصفًا لرجلٍ أدرك أنّ الكراسي إلى زوال، وأنّ الله أبقى من الحكم، وأنّ الوطن أولى من الحاكم. فحين تشبّث غيرك بالعروش حتى أغرقوا البلاد بالدم، سلّمت السلطة طواعية، واخترت أن تخرج من باب السياسة كما يدخل المؤمن من باب الصلاة؛ خفيفَ اليد من دم الناس، وثقيلَ القلب بهمومهم. وكأنّك جسّد معنى قول الشاعر:
“وما الملكُ إلا للهِ يبسطُهُ.. إن شاءَ عبدًا، وإن شاءَ انتزعهُ”
لم تقل: أنا أو الفوضى، ولم ترفع شعار: الحكم أو الخراب، بل آثرت أن تجنّب اليمن حربًا كانت ستأكل الأخضر واليابس منذ اللحظة الأولى، حين كانت البلاد تقف على حافة الانفجار بعد أحداث 2011.
فآثرت التنازل على التناحر، والتسليم على التقسيم، وحقن الدم على نزف الدم.
و(منصور) فما كلُّ نصرٍ يُقاس بالدبابات، ولا كلُّ غالبٍ يربح المعركة.. لقد انتصر الرجل أخلاقيًا على شهوة الانتقام، وعلى إغراء البطش، وعلى غواية التوريث السياسي للأحقاد، وانتصر حين بقيت يدُه ممدودة للحوار بينما كانت البنادق ترتفع من كل صوب، كان « منصورًا» بصبره لا بجبروته، وبحلمه لا ببطشه، وباحتماله للخذلان لا بقدرته على الإقصاء.
و(هاديًا) وكأنّ القدر شاء أن يحمل الاسمُ معناه؛ رجلٌ حاول وسط العتمة أن يهدي السفينة إلى شاطئ النجاة، وأن يقود اليمن بعيدًا عن الغرق الكامل، لكنّ الرياح كانت أعنف من المراكب، وكانت البنادق أعلى صوتًا من العقل.
ومع ذلك، سيذكر التاريخ أنّه حاول أن يكون هاديًا إلى التسوية لا إلى الفتنة، وإلى الدولة لا إلى المليشيا، وإلى الشراكة لا إلى الاستئصال.. لقد أدرك أنّ اليمن لا يُحكم بالقوة وحدها، بل بالتوازن الدقيق بين الدولة والسياسة والقبيلة، بين الجنوب والشمال، بين الثورة والجمهورية، بين الماضي والجريح القادم من المستقبل.
ولعلّ أكثر ما يوجع في رحيله، أنّ اليمن فقد رجلًا عرف قيمة الدم اليمني، في زمنٍ صار الدم فيه أرخص من الشعارات، لقد رحل بعد أن حمل ما لا تحمله الجبال؛ خيانة القريب، وضغط الحليف وخذلانه، وعداء الخصم، وانقسام الجيش، وتشظّي الدولة، ومرارة المنفى، وثقل المرض، ثم مات وقلبه معلّق بوطنٍ لم يعرف الراحة.
وكأنّ لسان حاله يردّد قول أبي الطيب: “ تُرادُ الحياةُ لأجلِ قومٍ.. وحياةُ المرءِ من أجلِ الوطنِ”
أيها الراحل.. قد يختلف الناس في السياسة، لكنّ المنصفين سيشهدون أنّك سلّمت السلطة حين كان غيرك سيُشعل البلاد لأجلها، وأنّك اخترت الوطن حين اختار كثيرون أنفسهم، وأنّك أخطأت أحيانًا ككلّ البشر، لكنّك لم تكن يومًا عاشقَ دمٍ ولا تاجرَ حرب.. سلامٌ على (عبدٍ لربّه)، و(منصورٍ) بأخلاقه، و(هادٍ) حاول أن يقود اليمن إلى برّ الأمان، فغلبته العاصفة، ولم يغلبه الطمع.
سلامٌ عليك يوم كنتَ جنديًا في صف الجمهورية، ويوم أصبحتَ رئيسًا في زمن الانكسار لا الانتصار، ويوم آثرتَ تجنيب اليمنيين بحورًا أخرى من الدم، ويوم رحلتَ وحيدًا، بينما ضجيجُ السياسة الذي ملأ الدنيا من حولك لم يستطع أن يمنح قلبك وطنًا مستقرًا.
رحمك الله رحمةً تليق بمن حمل وطنًا على كتفيه، وأسكنك دارًا لا حرب فيها ولا خصام، ولا شمالَ فيها ولا جنوب،
بل سلامٌ من الله وسلام.. رحمك الله رحمةً واسعة، وغفر لك ما اجتهدت فيه فأخطأت، وما أصبت فيه فأوجعتك الخيانة، وجعل لك من دعاء المقهورين نصيبًا، ومن صبرك على اليمن شفاعةً عند ربّ السماء، وعظم الله تعالى أجر الجميع بدء ًبالأسرة الكريمة وأبين خاصة، واليمن عامة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.