الطقس في أحياء المدينة لا يرحم، والرطوبة تكتم الأنفاس كأنها غطاء ثقيل طُرح فوق المدينة المنكوبة بالنسيان، وفي حارة متفرعة من المدينة، كان العم "سالم" يقلّب جسد طفلته الصغيرة "أمل" المستلقية على حصير متهالك، يمسح جبينها بخرقة مبللة علّها تطفي لهيب الحمى التي افترست جسدها النحيل في الخارج،
كانت الكهرباء قد انقطعت منذ عشر ساعات متواصلة، وتحولت غرفته الضيقة، التي تشبه الجحر الرطب، إلى فرن بشري حقيقي.
نظر سالم إلى الروشتة الطبية المجعدة في يده، ثم إلى بضعة مئات من الريالات اليمنية المتآكلة التي لا تشتري اليوم حتى نصف قطمة من الدقيق، وشعر بغصة تخنقه؛ فبينما يزداد التضخم كل صباح ومعه تنهار حياته،
تصله أخبار المسؤولين الذين يتنقلون بين الفلل المحصنة في أرقى الأحياء خلف الكتل الخرسانية، أو يتابعون الوضع عبر شاشات هواتفهم من شققهم الفاخرة في عواصم الشتات، حيث المكيفات لا تتوقف والرواتب تتدفق بالعملة الصعبة.
هذه الفجوة الساحقة بين القصور والجحور هي بالتحديد ما تمنع المسؤول عن الشعور؛ إذ كيف لمن ينام على الحرير المصقول ويتنقل بموكب مدرع عازل للصوت أن يدرك معنى الأنين الصامت في بيوت الفقراء؟ لم تكن مأساة سالم معزولة، بل كانت صدى لوجع ممتد عبر القرى والمدن المنسية في المحافظات الجنوبية،
هناك كانت أسر بأكملها تنام في عشش وطين لا تقي حراً ولا برداً ، تعود فيها الأمهات بجرار المياه الملوثة على ظهورهن، ويطارد الموت أطفالهن بحمى الضنك والأوبئة، دون وجود حتى تأمين صحي يداوي جراحهم.
لقد تحول المواطن الجنوبي في المحافظات الجنوبية من إنسان ذي كرامة وطموح، إلى مجرد ورقة سياسية ومادة للمزايدة في الخطابات الرسمية، أو ملف استجابة إنسانية يستعرضه المسؤولون في الفنادق الفخمة لجلب المنح التي تتبخر قبل أن تصل إلى مستحقيها.
وبينما كان سالم يخرج إلى أزقة المدينة الغارقة في الظلام بحثاً عن مستوصف خيري يقبل علاج طفلته دون مقابل، كان يرى من بعيد وميض المولدات الضخمة التي تضيء منازل ومربعات القادة والمسؤولين من كل الأطراف.
في تلك اللحظة تجلت البلادة في أقصى صورها؛ فالمسؤول الذي يجلس خلف تكييفه المركزي لديه متسع من الوقت لتقاسم النفوذ والمناصب وإصدار بيانات التنديد والمناكفات السياسية، بينما يموت الموظف والتربوي كمداً، ويصبح حتى السمك المستخرج من بحره عصياً على موائده.
إن هذا الصبر الأسطوري لأبناء المحافظات الجنوبية ليس صك غفران لأصحاب القصور، والتاريخ يعلمنا أن الناس قد يحتملون الجوع، لكنهم لا يحتملون المهانة ورؤية قادتهم يتنعمون بأوجاعهم؛ فالقصور التي تُشيد وتُؤثث من عرق وجوع أهل الجحور هي قصور واهية من رمل ولن تحمي أصحابها للأبد.
عاد سالم إلى جحره الصغير يحمل طفلته التي هدأت حركتها أخيراً ليس لأن الحمى تراجعت، بل لأن جسدها الضعيف استسلم للإنهاك، وجلس في العتمة يتأمل جدران غرفته المتشققة بانتظار فجر جديد لا يحمل في طياته سوى المزيد من الغلاء والانهيار.
ستبقى تلك القصور والفلل الفارهة — في الداخل والخارج — وصمة عار مكتوبة بمداد من قهر الرجال وعيون الأطفال المطفأة، طالما أن طفلاً واحداً في مدننا يرتجف حراً أو يموت جوعا ومرضا، وأباً يعود مكسور العينين، وأسرة تنام بلا عشاء، لأن المسؤول الذي تمنعه امتيازاته وحياته المخملية من الشعور بأنات شعبه، قد أسقط عن نفسه كل شرعية أخلاقية، فمن لا يتقاسم مع الناس وجع العيش، لا يحق له يوماً أن يتحدث باسمهم أو يدعي تمثيلهم.