آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-12:30م

مدير مكتب المحافظ .. منصب الثقة الذي يُكتب به أول سطر في تاريخ الحكم أو أول سبب لسقوطه

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 12:27 م

فؤاد داوؤد
بقلم: فؤاد داوؤد
- ارشيف الكاتب

ليس كل كرسي في السلطة يُقاس بدرجة وظيفية ، و لا كل تكليف يُفهم من سجل الخدمة المدنية .. فهناك مناصب لا تُمنح لأن صاحبها اجتاز امتحاناً، بل لأنه اجتاز امتحان الثقة . و في طليعة هذه المناصب يقف مدير مكتب المحافظ ، و الذي يعتبر البوابة التي إن صلُحت صلُح ما وراءها ، و إن فسدت فسدت معها هيبة الدولة في عيون الناس .


و من هنا يتضح لنا جليٱ أن منصب مدير عام مكتب المحافظ :

1. ليس وظيفة.. بل أمانة مغلقة على صدر رجل .. فمدير مكتب المحافظ ليس موظفاً عادياً يدخل و يخرج مع الدوام ، بل هو امتداد لشخصية المحافظ، و لسانه الصامت ، و ذاكرته الحية .

و هو من يمسك بورق المحافظة قبل أن يصل إلى يد المحافظ ، و يفرز بين ما يستحق العرض العاجل و ما يُرمى في درج النسيان . و هو من ينظم الزمن ، و يمنع الفوضى من التهام العقل ، و يحجب الضجيج حتى لا يضيع صوت الحاجة الحقيقية وسط صراخ المصالح .


و نتيجة لذلك كان هذا المنصب منصب ثقة لا منصب تعيين. يمنحه المحافظ لمن اطمأن قلبه إليه ، كما يأتمن الإنسان على سره و ماله و عرضه .


2. مدير عام مكتب المحافظ هو الباب الذي تُرى منه المحافظة كلها ، إذ أن المواطن البسيط لا يقابل المحافظ كل يوم . لكنه يقابل من يرد على هاتفهو، و من يحدد موعده ، و من يرفع ملفه أو يحجبه ، و في تلك اللحظة يصبح مدير المكتب هو الوجه المرئي للسلطة ، و كلمته تُفهم قراراً ، و تأخيره يُفهم تجاهلاً ، و ابتسامته تُقرأ سياسة ، و عبوسه يُقرأ تكبراً .


لذلك فإن صورة المحافظ في الشارع لا تُبنى في الخطب ، بل تُبنى على كرسي الاستقبال .. فإما أن يخرج المواطن و هو يشعر أن الدولة سمعته ، أو يخرج و هو يوقن أن الباب أغلق دونه إلى الأبد .


3. و لمدير مكتب المحافظ معايير لا تُكتب في اللوائح .. بل في معدن الرجال

لأن المنصب مبني على الثقة ، فلا تكفيه شهادة و لا أقدمية ، و المحافظ الحصيف يبحث عن رجل يجمع المتناقضات دون أن تنفجر فيه ، كأن يكون : كتوم لا يذيع السر ، لكنه شفاف مع الناس .. حازم مع المماطل ، رحيم مع صاحب الحاجة .. يعرف القانون فلا يورّط سيده ، و يعرف الناس فلا يقسو عليهم .. يقف في وجه الطامع ، و ينحني لخدمة المظلوم .


فمن لا يملك هذه التركيبة ، سيحوّل الباب إلى سوق ، و الموعد إلى سلعة ، و الملف إلى ورقة مساومة .. و حينها لا يعود الفساد استثناءً ، بل يصبح هو النظام .


4. و كذلك هو الدلالة التي لا تحتمل التجميل ، حيث أن اختيار مدير المكتب هو أول قرار حقي يفضح نية المحافظ .. فمن يختار رجلاً نزيهاً كفؤاً ، يقول للجميع : سأحكم بالمؤسسة لا بالمزاج ، و من يختار صاحب ولاء أعمى أو قريباً ضعيفاً ، يقول بلسان الحال : سأحكم بالمحسوبية ،فاستعدوا للفوضى .


التاريخ المحلي شاهد على ذلك . محافظون سقطوا لأنهم أحسنوا النوايا و أساءوا الاختيار عند الباب ، و آخرون أنجزوا لأنهم فهموا أن ضبط الباب هو نصف ضبط الدولة .


5. الخلاصة التي لا تحتمل التأجيل ، هي أن مدير مكتب المحافظ ليس موظفاً ينتظر التوجيه، بل شريكاً في إدارة الزمن و القرار و الثقة ، و هو الرجل الذي إن صدق ، صدقت معه المحافظة كلها ، و إن خان، خان معه الأمل في الإصلاح .


و لذلك، فإن أول سطر يُكتب في سجل أي محافظ ، لا يُكتب في خطاب التنصيب ، بل في الاسم الذي يعلّقه على باب مكتبه . فإما أن يكون ذلك الاسم بداية عهدٍ يُحترم ، أو بداية عذرٍ يُقدَّم حين يُسأل : لماذا فشلنا مرة أخرى ؟

فلا تلوموا الرجل في من اختاره مديرٱ عامٱ لمكتبه ، فهو المعني بهذا الأمر وحده ، و لا أحد سواه