آخر تحديث :الخميس-21 مايو 2026-08:51ص

دلتا أبين وتحول المياه من نعمة إلى معركة

الخميس - 21 مايو 2026 - الساعة 07:25 ص

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

في دلتا أبين، لم تعد المياه مجرد مورد طبيعي يسقي الأرض ويحيي الزرع، بل أصبحت قصة يومية تختلط فيها الحياة بالقلق، والزراعة بالنزاع، والأمل بالخوف من الجفاف والعطش والتدهور.


فهذا الدلتا الذيي كان يوما واحدا من أكثر مناطق اليمن خصوبة وخضرة، والذي عاش لعقود على خير السيول القادمة من وادي بنا ووادي حسان، يقف اليوم أمام أزمة مائية متشابكة تهدد الأرض والإنسان معا.


ولقد تغير وجه الماء في أبين؛ فالسيول التي كانت تملأ القنوات وتغمر الحقول لم تعد كما كانت، والآبار التي اعتمد عليها الناس بدأت تئن من الاستنزاف، والأراضي التي كانت تُنبت الخير بدأت تتملح وتتعب وتفقد قدرتها على العطاء. أما مياه الصرف الصحي، فقد تحولت في بعض المناطق إلى خطر صامت يتسلل إلى الأحياء والشوارع والمياه الجوفية، ناشرا الأمراض والروائح والتوترات الاجتماعية.


وفي كثير من قرى الدلتا، لم تعد المشكلة مجرد نقص ماء؛ بل أصبحت مشكلة عدالة أيضا؛ قرى تصلها المياه، وأخرى تنتظر. مزارع ترتوي باستمرار، وأخرى تجف. مناطق أعلى الدلتا تستحوذ على الحصص الأكبر؛ بينما تعاني المناطق السفلى من العطش وتراجع الزراعة.


ومع اشتداد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، تحولت المياه إلى سبب مباشر للخلافات بين المزارعين، وبين القرى، وأحيانا بين الأهالي والجهات المعنية؛ فحين يقل الماء، تتوتر النفوس، وتضيق الخيارات، ويتحول المورد الذي خلق للحياة إلى بؤرة للنزاع.


ولم تقف الأزمة عند مياه الري فقط؛ ففي المدن والأحياء السكنية، تعاني شبكات الصرف الصحي من التهالك والانهيار، بينما تنتشر البيارات التقليدية في بعض المناطق، لتتحول إلى مصدر دائم لطفح المياه العادمة وانتشار الأمراض والبعوض والروائح الكريهة. ومع كل طفح جديد تتجدد شكاوى الناس، وتتكرر الخلافات بين الجيران، ويزداد الاحتقان تجاه المؤسسات الخدمية العاجزة عن مواكبة التوسع السكاني وتراكم المشكلات.


أما الزراعة - وهي قلب الحياة في دلتا أبين - فقد دفعت الثمن الأكبر؛ فشح المياه وتملح التربة واستنزاف المياه الجوفية أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء وانخفاض دخل المزارعين؛ بل إن بعض الأراضي خرجت من الخدمة الزراعية تماما بعد أن تحولت تربتها إلى أرض مرهقة لا تقوى على الإنبات.


وفي خضم هذه المعاناة؛ تظهر قضية أخرى لا تقل خطورة، وهي الاستخدام المفرط للمياه في بعض الزراعات المستنزفة، مثل الموز، حيث يؤدي الري المتكرر إلى استنزاف الحصة المائية وتغريق التربة ورفع نسبة الملوحة، ما يضر بالمزارع المجاورة ويخلق توترات بين المزارعين أنفسهم.


ومع كل ذلك؛ فإن دلتا أبين لا تزال تملك فرصة للنجاة إذا تحولت الأزمة إلى مشروع إنقاذ حقيقي؛ فالخبراء والباحثون والمهتمون بالشأن البيئي يطرحون اليوم سلسلة من الحلول العملية القادرة على إعادة التوازن إلى الواقع المائي في الدلتا، بدءا من بناء الحواجز والكرفانات والسدود الصغيرة لحصاد مياه الأمطار والسيول، مرورا بإعادة تأهيل قنوات الري وشبكات المياه والصرف الصحي، وانتهاء بالتحول إلى أنظمة الري الحديث التي توفر المياه وتقلل الهدر.


كما تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها زراعيا بدلا من تركها مصدرا للتلوث والأمراض، إضافة إلى ضبط الحفر العشوائي للآبار، وتنظيم توزيع المياه بعدالة بين مختلف مناطق الدلتا.


ولا يقل أهمية عن ذلك كله بناء وعي مجتمعي جديد يعتبر الماء مسؤولية جماعية لا غنيمة فردية، ويؤمن بأن حماية المياه تعني حماية الزراعة والصحة والاستقرار والسلم الاجتماعي.


إن قضية المياه في دلتا أبين لم تعد قضية فنية تخص المهندسين أو المزارعين وحدهم؛ بل أصبحت قضية مجتمع بأكمله؛ لأن الماء هنا ليس مجرد خدمة؛ بل هو أساس الحياة والاقتصاد والأمن والاستقرار.


وحين تُدار المياه بعدالة وحكمة؛ تزدهر الأرض ويهدأ الناس. أما حين تُهدر أو تُحتكر أو تُترك للفوضى؛ فإن الجفاف لا يصيب التربة وحدها؛ بل يمتد ليصيب العلاقات الإنسانية نفسها؛ ولهذا فإن إنقاذ المياه في دلتا أبين هو في الحقيقة إنقاذ لمستقبل أبين كلها.

نسأل الله أن يحفظ لنا بلادنا ومحافظتنا ودلتانا ومواردنا العامة، ودمتم سالمين!