انتشر في السنوات الأخيرة ما يُسمى ببنوك التمويل الإسلامي الأصغر، حيث قامت بعض شركات الصرافة بفتح بنوك تدّعي أنها تعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية. وقد ناقشتُ قبل سنة ونصف مدير إحدى هذه البنوك الإسلامية الجديدة، وعرضت عليه حججي، لكنه رفض الرد، وكان لزامًا عليّ توضيح هذا الموضوع للرأي العام إبراءً للذمة.
أولًا: الفرق بين الربا والتعامل الإسلامي
هناك فروق جوهرية بين الربا والتعامل الإسلامي، أهمها:
الربا يقوم على أخذ فائدة على المال، أي أن المال هو العلاقة السببية للحصول على الفائدة.
أما التعامل الإسلامي فلا يعترف بهذه العلاقة، وإنما يشترط وجود عمل أو نشاط حقيقي يكون العائد الناتج عنه حلالًا وليس ربا، والعمل له ضوابط شرعية معروفة.
لكن الملاحظ في اليمن أن البنوك الإسلامية – دون استثناء – تتحايل على مفهوم العمل، سواء كان مشاركة أو بيعًا أو شراءً، فتقول للعميل: “نحن لا نأخذ فائدة على المال، وإنما نبيع لك سلعة”، وهذه المغالطة سيتم توضيحها في هذا الطرح المختصر.
آلية عمل بنوك التمويل الإسلامي الأصغر في اليمن
لا تفرق بين قرض استهلاكي أو استثماري.
لا تتحمل أي مخاطر.
تأخذ ضمانات تغطي القرض والربح قبل إعطاء السلعة، وتُسجّل بالثمن والعملة.
لا يحصل تقابض فوري بين العميل والبنك عند الاتفاق.
لا يستطيع العميل التراجع بعد توقيع الاتفاق.
تأخذ مبلغًا مقطوعًا معلومًا كربح مسبق، وهذا – بحسب الطرح – يُعد مخالفة شرعية؛ لأن الربح في الشريعة مرتبط بالعمل والمستقبل غير المعلوم.
مثال للتوضيح
ذهب صالح إلى أحد البنوك الإسلامية الموجودة في اليمن من أجل شراء 100 كيس من أسمنت حضرموت. وكان أول سؤال من البنك: ما هي الضمانات؟ كذهب أو غيره يُوضع في خزينة البنك كضمان عيني قبل الموافقة على التمويل، أي أن البنك لا يفرق بين قرض استهلاكي أو استثماري.
فمثلًا:
شخص يريد شراء دراجة نارية.
وآخر يريد شراء بضاعة أو فتح مشروع صغير ليسترزق منه.
كلاهما يُعاملان بالطريقة نفسها، بينما البنك يقول: “أنا أبيع لك فقط”.
في حين أن التعامل الإسلامي الحقيقي – بحسب الكاتب – يركز على ما بعد أخذ المال: هل هو استثمار أم تجارة؟ وبالتالي يدخل البنك شريكًا ويتحمل المخاطر، بينما التعامل الربوي يركز فقط على المال المقترض.
في حالة الاستهلاك
إذا كان التمويل لشراء دراجة نارية مثلًا، يقوم العميل بدفع ضمان كذهب أو غيره يوضع في خزينة البنك، وبعد قبول التمويل يوقّع الأوراق مع البنك، وهنا – بحسب الكاتب – توجد مخالفتان شرعيتان:
المخالفة الأولى
البنك يستعد لشراء الدراجة النارية، لكنه عند توقيع العقد لم يكن قد اشتراها فعليًا في تلك اللحظة، وهذا يُعد مخالفة لمبدأ الملكية والحيازة، إذ ربما يشتريها البنك بعد ساعة أو يوم أو أكثر، لكن وقت توقيع الاتفاق لم يكن قد حازها من التاجر.
المخالفة الثانية
بعد توقيع الأوراق لا يحق للعميل التراجع. فلو اتصل بصالح صديقه سعيد – الذي يعمل في شركة أسمنت حضرموت – وأخبره أن الشركة وافقت على إعطائه 100 كيس بسعر أفضل، فإنه لا يستطيع الانسحاب بعد التوقيع، وهنا وقع الغبن، بينما ورد في الحديث الشريف: “يدًا بيد”، وهو ما يراه الكاتب منافيًا لمبدأ التقابض الشرعي، خصوصًا أن ذهب العميل يبقى في خزنة البنك كضمان.
تمويل المشاريع الصغيرة
لنفترض أن محمدًا يريد بدء مشروع صغير، ويحتاج إلى تمويل لشراء معدات.
في التعامل الإسلامي الحقيقي – بحسب الكاتب – يُموَّل محمد على أساس الشراكة، بحيث يكون البنك شريكًا بماله، ومحمد بجهده، ويتحمل الطرفان المخاطر بالتساوي.
أما البنوك في اليمن التي تدّعي أنها إسلامية، فإن نسبة تحملها للمخاطر – بحسب الطرح – تساوي صفرًا؛ إذ تأخذ جميع الضمانات، سواء ذهبًا أو غيره، مع زيادة تغطي القرض والربح، أي أنها تريد استعادة مالها مع الربح مهما كانت نتيجة المشروع.
ويرى الكاتب أن هذا هو الربا بعينه، لأن العائد المشروع مرتبط بتحمل المخاطر، وعندما لا يتحمل البنك أي مخاطر فإن ما يحصل عليه لا يُعد ربحًا بل ربا.
المحظورات – بحسب الكاتب
المحظور الأول
فصل العلاقة السببية بين العمل أو الربح وبين ما يحصل عليه البنك، إذ يسمّيه البنك “ربحًا” بينما لا يراه الكاتب كذلك.
المحظور الثاني
معرفة المبلغ مسبقًا بصورة مقطوعة؛ ففي التعامل الإسلامي الحقيقي لا يُعرف مقدار الربح النهائي، لأن البنك يُفترض أن يكون شريكًا في العمل، يعرف نسبة الربح لكنه لا يعرف الرقم النهائي الذي سيتحصل عليه.
أما البنوك الإسلامية في اليمن – بحسب الكاتب – فلا تفرق بين الاستثمار والاستهلاك، وتأخذ مبلغًا مقطوعًا معلومًا دون تحمل مخاطر، وتدّعي أن ذلك بيع، رغم عدم وجود تقابض فوري.
كما يستشهد الكاتب بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا”، ويرى أن هذا الأمر غير موجود في البنوك الإسلامية في اليمن.
المحظور الثالث
ارتباط نسبة الربح تصاعديًا بنوع الضمان المقدم، حيث تكون أقل نسبة عند تقديم الذهب، وترتفع إذا كان الضمان تجاريًا، وهو أمر يقول الكاتب إنه لا يعلم له أصلًا في الشريعة الإسلامية.