آخر تحديث :الأحد-08 مارس 2026-03:25ص

ثلاثية "الاستنزاف، الردع، و وحدة الخليج": قراءة في رسائل حمد بن جاسم الاستراتيجية

الأحد - 08 مارس 2026 - الساعة 01:40 ص

محمد علي محمد أحمد
بقلم: محمد علي محمد أحمد
- ارشيف الكاتب




​وسط الأمواج المتلاطمة التي تعصف بالمنطقة، تبرز أصوات الخبرة السياسية لتقدم قراءة متأنية تتجاوز ضجيج السلاح.


وفي هذا الصدد، طرح الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، رئيس وزراء ووزير خارجية قطر السابق، رؤية شاملة في تغريدتين عبر حسابه في منصة (X)، شخَّصت الوجع ووصفت الدواء لمستقبل دول مجلس التعاون الخليجي.


​ولأهمية هذا الطرح في رسم معالم المرحلة القادمة، ننشر نص كلامه كاملاً حرفياً، لنتبعه بقراءة تحليلية في أبعاده الاستراتيجية.


​أولاً: النص الكامل لطرح الشيخ حمد بن جاسم:


​"إنني أتساءل ما الذي تريده إيران يا ترى من زج كل دول مجلس التعاون الخليجي في حربها مع أميركا وإسرائيل؟ فمهما كان الجواب فإن إيران فقدت بهذا العمل تعاطفا خليجيا كان يدفع بكل جهد ممكن نحو التهدئة، وزرعت كذلك شكوكا يصعب محوها في مستقبل علاقاتها مع دول المجلس بهجومها على دول المجلس.

​وإذا كانت إيران تعتقد أن الهجوم على دول المجلس هو نوع من الضغط السياسي لحمل الرئيس الأميركي على وقف الهجوم عليها، رغم ما بذلته هذا الدول من جهود للتهدئة فإن حساباتها مخطئة، ولن تكسب بهذا العمل أي نقاط لصالحها. فما قامت به من قصف استهدف مناطق سكنية خارج إطار ما تسميه طهران مصالح أميركا. كما أن ما قامت به إيران سيجعل دول المجلس أشد تمسكا بعلاقات مع حلفاء من خارج المنطقة بعد أن تزعزعت الثقة بينها وبين إيران.

​وقد كنت أقول دائما إن علاقات دول المجلس مع إيران مهمة، لكن على إيران أن تعي أن هناك توازنات تحكم علاقاتها معنا، تجعل الطرفين يتعاملان من دون إملاءات من جانب طرف على الآخر ومن دون إقحام دول المجلس في خلاف ليس لها فيه دخل ولا مصلحة.


​ومع أني لا أريد أن أقول إن إيران فقدت تماما كل علاقاتها الإيجابية من دولنا لكن دول المجلس لن تنسى ما حدث، ومع ذلك فإني ما زلت أدعو لوجود علاقات متوازنة مع إيران، كما كنت أدعو في السابق، ومن الواضح أن ما حصل يملي علينا في دول المجلس مراجعة وجهات نظرنا حتى لا نُزَّجَ في صراعات ليس لنا فيه مصلحة، وهذا يتطلب منا أن نبني لأنفسنا قوة ردع لا تعتمد على الحليف بقدر ما تعتمد على الذات، وفي النهاية لا بد من اتخاذ موقف خليجي مشترك رداً على استهداف إيران لدول المجلس من دون اعتبار للعواقب.


​ولا بد لنا أن نشيد بما قامت سلطنة عمان الشقيقة، وأن نشكرها على جهودها التي لو نجحت لكان الوضع مختلفا، لكن إسرائيل هي من أفشلت الجهد العماني البناء، لأنه لو نجحت الوساطة العمانية لانقلبت خطط نتنياهو في الداخل والخارج رأسا على عقب.


​واستتباعا لما ذكرته أقول إنه يجب على دول مجلس التعاون ألا تُجَرَّ إلى مواجهة مباشرة مع إيران، رغم أن إيران انتهكت سيادة دول المجلس وكانت البادئة بالهجوم على دولنا، وهذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها إيران على عمل كهذا على الاقل بالنسبة لنا نحن في قطر. وهذا ليس بالنقيض لما قلته انه يجب ان يكون هناك موقف فالموقف يجب ان يكون ولكن ورغم كل شيء فيجب علينا في دول المجلس أن نمعن النظر في هذا الأمر بأبعاده المختلفة، فهناك قوى تريد أن تشتبك دول المجلس مباشرة مع إيران، وهي تعلم أن الاشتباك الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي، ولكن الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف ولذلك فإن من المهم تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهذا هو رأيي الشخصي.


​وعلينا كذلك أن ندرك أنه بعد انتهاء هذه المعركة، التي أُريد لها أن تندلع قبل انتهاء مفاوضات السلام التي كنا نعول عليها كثيرا لتجنب الصراع، ستكون هناك قوى جديدة في المنطقة وسيكون لإسرائيل سطوة على منطقتنا، ومن هنا فإنه ليس أمام دول المجلس إلا أن تكون بمثابة يد واحدة موحدة لمواجهة أي اعتداء عليها، ورفض أي محاولة لفرض الإملاءات عليها وابتزازها، ولن تستطيع دولنا أن تتجنب تلك المخاطر إلا باتفاق قوي ومتين وواضح لا تشوبه أي مواقف أو آراء لا تطرح علنا على الطاولة، وتوفر بذلك مدخلاً لمن يريد أن يزج بنا في النزاعات ويبتزنا جميعا.


​وأود أن أشيد هنا بإعلان المملكة العربية السعودية أنها ستقف مع الكويت إذا اعتدى عليها العراق، وهذا يجب أن يكون موقف كل دول المجلس وأن ينطبق على كل أزمة تحدق بدولنا عبر تشاور وتنسيق متين، حتى لا يُستفرد بدولنا واحدة تلو الأخرى ونبتز جميعا، فهناك خطر كبير آت يجب علينا أن ندركه ونستعد للتعامل معه."

((إنتهى كلام الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني))


​ثانياً: رؤية تحليلية.. قراءة ما بين السطور.


​لا يكتب الشيخ حمد بن جاسم من فراغ، بل من معرفة عميقة بما يدور خلف الكواليس. ويمكننا تلخيص هذه القراءة السياسية في أربع نقاط محورية:


​1. "الاستنزاف" هو العدو الحقيقي:

يحذر بن جاسم من أن أي مواجهة مباشرة "خليجية - إيرانية" لن تنتهي بمنتصر، بل بمحرقة للموارد والثروات، فبينما تنتهي الصراعات بين القوى الكبرى بتسويات، تظل الشعوب الإقليمية وحدها من تدفع ثمن الاستنزاف، وهو ما يفتح الباب للتدخلات الخارجية والتحكم بمصائرنا بحجة "إدارة الأزمة".


​2. عُمان واستراتيجية "إعادة الاستقطاب":

تتوقف القراءة المتأنية عند إشادة الشيخ حمد بالدور العماني، وهي إشادة تحمل ذكاءً سياسياً يهدف لكسر التوجس الخليجي تجاه مواقف مسقط "المستقلة"، فمن خلال تصوير عمان كصمام أمان كان كفيلاً بمنع الكارثة، إذ يسعى "بو جاسم" لإعادة استقطابها للحاضنة الخليجية، موضحاً أن "استباقية الكيان الصهيوني" (نتنياهو) عبر التصعيد النوعي والاغتيالات هي من أجهضت الوساطة العمانية؛ لأن استقرار المنطقة يقلب خطط اليمين الإسرائيلي رأساً على عقب.


​3. الردع الذاتي.. لا استقواء بالحليف فقط:

الدعوة لبناء "قوة ردع ذاتية" تعكس وعياً بأن المصالح الدولية متغيرة. الأمن الحقيقي ينبع من الداخل، ومن قدرة دول المجلس على حماية سيادتها بنفسها، مما يمنع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين وابتزازهم لاحقاً.


​4. وحدة المصير ورفض الإملاءات:

إن استشهاده بالموقف السعودي تجاه الكويت هو "رسالة داخلية" قوية؛ فالخطر القادم يستهدف "الاستفراد" بالدول واحدة تلو الأخرى، والحل الوحيد هو اتفاق علني، شفاف، ومتين يرفض الإملاءات ويواجه السطوة الإسرائيلية المحتملة بعد انتهاء المعارك الحالية.



​ختاماً، إن دعوة الشيخ حمد للتوازن وعدم الانزلاق للمواجهة ليست دعوة للتراخي، بل هي "دبلوماسية الأقوياء" التي تدرك متى تضرب، ومتى تحافظ على مواردها من أجل مستقبل شعوبها، وكذا في الحفاظ على استقرار جيرانها وعدم التدخل في شؤونها، واحترام خيارات ومصير شعوبها والمنطقة برمتها.