سؤال حيرني كثيرا: كيف تكتب عن عدن وأنت لست فيها؟!
كان هذا سؤالاً عابراً طرحه عليّ أحد الزملاء من قلب عدن، ونحن نتحدث عن المدينة وواقعها وحياة الناس فيها بل والاستعداد جديا في الإقامة فيها لم يكن السؤال اعتراضاً بقدر ما كان تذكيراً بأن الحديث عن مدينة لا يشبه الحديث عن خبر نقرأه أو صورة نشاهدها.
سألت صديقي … كيف يعيش الناس يومهم؟
وبدأ يصف لي الحياة كما هي، بلا تزيين ولا تهويل حدثني عن الكهرباء حين تغيب، والمياه حين تتأخر، وعن الأسعار التي تسبق الرواتب بخطوات لمن له راتب لاقيمة له
حدثني عن أبٍ يحسب احتياجات أسرته كل صباح، وأمٍ تدير بيتها بما تيسّر، وشباب يحاولون التمسك بأحلامهم رغم صعوبة الظروف
لم يكن يروي أحداثاً استثنائية، بل كان يصف يوماً عادياً في مدينة أصبحت فيها التفاصيل الصغيرة أكبر التحديات
ومن هنا بدأت أفكر في عدن من زاوية مختلفة؛ ليس من زاوية السياسة وحدها، ولا من خلال الأرقام والتقارير، وإنما من خلال الإنسان الذي يعيش فيها، ويواجه تفاصيل يومه ويحاول أن يجعل من حياته شيئاً طبيعياً في ظروف ليست طبيعية.
في عدن، لم يعد الحديث عن الخدمات مجرد حديث عن كهرباء أو ماء فهذه الخدمات ترتبط مباشرة بحياة الناس وراحتهم وقدرتهم على العمل وممارسة حياتهم بصورة طبيعية
وتزداد قسوة هذه التفاصيل مع حرارة عدن ورطوبتها، حين يصبح انقطاع الكهرباء أكثر من مجرد انقطاع خدمة، ويصبح عبئاً يومياً على الأسرة، وعلى كبار السن والأطفال، وعلى كل من يحاول أن يقضي يومه في ظروف معيشية صعبة.
ثم تأتي أعباء المعيشة وارتفاع الأسعار لتضيف طبقة أخرى من القلق ويجد المواطن نفسه أمام احتياجات تتزايد، ودخل لا يواكبها، فيضطر إلى إعادة ترتيب أولوياته مرة بعد أخرى، بحثاً عن طريقة تمكنه من تجاوز يومه بأقل قدر ممكن من الخسائر.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يستوقفك في عدن ليس حجم الصعوبات وحده، وإنما قدرة الناس على التكيف والصبر والاستمرار
أهل عدن لا ينتظرون حياة مثالية حتى يعيشوا؛ يواصلون أعمالهم، ويفتحون متاجرهم، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس، ويزورون بعضهم، ويصنعون لأنفسهم مساحات صغيرة من الفرح وسط واقع ثقيل.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة والمؤلمة في آنٍ واحد مدينة تواجه الكثير من التحديات، لكن أهلها ما زالوا متمسكين بالحياة
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس فقط ما الذي تعانيه عدن؟ وإنما ماذا يمكن أن نفعل من أجل عدن؟
عدن ليست مدينة عادية في الوجدان اليمني، وليست مجرد مدينة تواجه مشكلات خدمية إنها مدينة ذات مكانة وطنية وتاريخية، وهي العاصمة المؤقتة للجمهورية اليمنية، ومن الطبيعي أن تكون واجهةً تعكس حضور الدولة وقدرتها على إدارة مؤسساتها وتقديم الخدمات لمواطنيها.
ومن هنا تأتي الرسالة إلى كل مسؤول أُوكلت إليه مسؤولية عدن، وإلى قيادة الدولة والحكومة لماذا لا تحظى عدن بما تستحقه من اهتمام؟
لماذا لا تكون هذه المدينة مشروعاً وطنياً حقيقياً ، يُعمل على استقرار خدماتها، وتحسين بنيتها، وتنظيمها، واستعادة جمالها وحيويتها؟
إن عدن تستحق أن تكون عاصمة نموذجية لليمن؛ مدينة يشعر فيها المواطن أن الدولة حاضرة إلى جانبه، وأن المؤسسات تعمل من أجله، وأن تحسين حياته اليومية ليس أمرا ثانويًا، بل جوهر المسؤولية
فربما لا تحتاج عدن اليوم إلى كثير من الكلام بقدر ما تحتاج إلى إرادة صادقة، وإدارة فاعلة، وقرار يضع حياة الناس في مقدمة الأولويات
فالانتصار الحقيقي في عدن ليس أن نتحدث عن قدرتها على الصمود، وإنما أن نساعدها على الانتقال من الصمود إلى التعافي، ومن مواجهة الحياة اليومية إلى عيشها بصورة طبيعية.
وعندما تصبح عدن مدينة نموذجية، فإنها لن تكون قد انتصرت لنفسها فقط، بل ستكون رسالة أمل لكل اليم