ليس كل ما اعتدناه هو نهاية الممكن، فالمعهود هو ما ألفناه، أما الممكن فهو ما يصبح واقعًا حين تتوافر شروطه وأسبابه. ولهذا قيل إن السياسة «فن الممكن»، لأن موازين القوة ليست ثابتة، والوقائع تتغير، وما يبدو مستحيلًا في لحظة قد يصبح أمرًا واقعًا في لحظة أخرى.
ومن هذه الحقيقة يمكن قراءة مسيرة شعب الجنوب منذ انطلاقة الحراك الجنوبي عام 2007م؛ فقد بدا لكثيرين آنذاك أن مواجهة نظام صنعاء وقوته العسكرية أمر يفوق قدرة شعب أعزل، لكن إرادة الناس وثباتهم جعلا القضية الجنوبية تنتقل من فعل احتجاجي إلى قضية سياسية حاضرة في المشهدين الإقليمي والدولي.
وفي مسيرة طويلة كهذه، لا تُصنع القضايا الكبرى بالصخب ولا بالخطابات العابرة، وإنما يصنعها الثبات والوعي والقدرة على قراءة الواقع والتمسك بالمبدأ، دون الوقوع في أسر الانفعال.
وهنا يبرز اسم الزعيم حسن باعوم، بوصفه واحدًا من أبرز رموز الثبات في مسيرة الجنوب؛ رجل لم تغيّره المحن، ولم تدفعه سنوات النضال والاعتقال إلى التراجع عن قناعته بحق شعبه في الحرية والكرامة.
وعلى الطريق ذاته، جاء المناضل فادي حسن باعوم، الذي حمل إرثًا نضاليًا لم يكن مجرد امتداد عائلي، بل تجربة سياسية ونضالية صنعتها المواقف والمراحل الصعبة. ولذلك، فإن تقييم الرجال لا يكون بضجيج الحملات الإلكترونية، ولا بما يُقال في لحظة خصومة، وإنما بما قدموه عندما كانت الكلفة عالية، وكان الموقف يحتاج إلى ثبات.
إن الجنوب اليوم أمام مرحلة مختلفة؛ مرحلة تتطلب قيادة تمتلك الحكمة والشجاعة والواقعية السياسية، وتدرك أن تحقيق الأهداف الوطنية لا يكون بالعنتريات ولا بالمناطقية ولا بإقصاء الآخر، بل ببناء دائرة شعبية واسعة، وتوحيد الإرادة الجنوبية، وحسن التعامل مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على ما ألفناه، بل على ما نستطيع أن نصنعه حين نمتلك أسبابه.
وسيظل حسن باعوم وفادي باعوم، في وجدان كثير من أبناء الجنوب، عنوانًا لمدرسة ترى أن المبدأ لا يُقاس بعدد الأصوات حوله في لحظة معينة، وإنما بقدرته على الصمود أمام تقلبات الزمن.