في السياسة، قد تتعدد المصالح، وقد تختلف الدول في تعريف أولوياتها، لكن هناك قاعدة يفترض ألا تسقط من الحساب: الأمن القومي لا ينبغي أن يتجزأ بحسب هوية الخصم، ولا أن يتغير تعريفه تبعاً لموقع الخطر أو الجهة التي تمثله.
ومن هنا تبرز مفارقة تستحق أن تُطرح على القيادة السعودية بكل وضوح:
إذا كانت الرياض تعتبر تحرك قوات جنوبية داخل محافظات يمنية، وعلى مسافة من حدودها، تهديداً لأمنها القومي يستوجب التدخل والتحرك، فكيف يمكن تفسير أن الصواريخ والمسيّرات الحوثية التي تعبر الحدود وتصل إلى الأراضي والمنشآت السعودية لا تُعامل بالمنطق نفسه، من حيث كونها تهديداً مباشراً للأمن القومي؟
السؤال هنا ليس دفاعاً عن الحوثي، ولا تبريراً لأفعاله. استهداف المدن والمنشآت والبنية التحتية السعودية عمل خطير ومرفوض، تماماً كما أن استهداف المدن والمنشآت اليمنية مرفوض أيضاً.
لكن السؤال مختلف:
لماذا يصبح الأمن القومي السعودي حاضراً بكل ثقله عندما يتعلق الأمر بقوات جنوبية داخل اليمن، بينما يأخذ التعامل مع الخطر الحوثي مساراً مختلفاً؟
الأمن القومي أم الأمن السياسي؟
عندما أعلنت الرياض أن تحركات القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة تمثل تهديداً لأمنها القومي، كان من حقها أن تقول إن أمنها وحدودها ومصالحها الاستراتيجية خطوط حمراء.
لا خلاف على حق أي دولة في حماية حدودها وأراضيها ومصالحها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول مفهوم الأمن القومي إلى معيار انتقائي: خطرٌ ما يُصنَّف تهديداً استراتيجياً يستوجب التدخل، بينما خطر آخر أكثر مباشرة، يصل فعلياً إلى الأراضي السعودية، يُدار بمنظومة مختلفة من الحسابات.
فالخطر الحوثي ليس مجرد وجود قوة سياسية أو عسكرية بالقرب من الحدود.
إنه صواريخ ومسيّرات تنطلق من الأراضي اليمنية وتعبر الحدود الدولية باتجاه الأراضي السعودية، وتستهدف أحياناً منشآت حيوية ومواقع استراتيجية.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل أصبح الجنوب أخطر من الصاروخ الحوثي؟
لا أحد يطلب من السعودية أن تقبل التهديد الحوثي، ولا أحد يمكنه أن ينكر حقها في الدفاع عن أراضيها. لكن إذا كان المعيار هو حماية الحدود، فمن الطبيعي أن يكون الخطر الذي يعبر الحدود ويضرب داخل الدولة هو التهديد الأكثر مباشرة.
أما إذا كان المقصود بالأمن القومي منع قيام قوة يمنية مستقلة سياسياً وعسكرياً في المناطق القريبة من الحدود، فهنا نحن أمام مفهوم مختلف.
إنه إدارة للنفوذ الإقليمي أكثر من كونه أمناً قومياً بالمعنى الضيق.
والمهرة أيضاً تهدد الأمن القومي السعودي!
ولعل أكثر ما يكشف غرابة هذا التعريف للأمن القومي هو ملف المهرة.
فحتى وجود قوات جنوبية في المهرة، المحافظة اليمنية الواقعة في أقصى الشرق والمحاذية لسلطنة عُمان، جرى تقديمه باعتباره تهديداً للأمن القومي السعودي.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً:
المهرة أقرب جغرافياً إلى عُمان، وعُمان تملك حدوداً مباشرة معها، فلماذا لم تتعامل مسقط مع وجود قوات جنوبية في المهرة بالحدة نفسها التي تعاملت بها الرياض؟
كان يمكن لعُمان، بحكم موقعها الجغرافي وحدودها المباشرة مع المهرة، أن تعتبر أي تطور عسكري هناك مسألة أمنية بالغة الحساسية.
ومع ذلك، اتسم الموقف العُماني تجاه الملف بدرجة أكبر من الهدوء والحسابات السياسية، بعيداً عن تحويل كل تحرك داخل الأراضي اليمنية إلى تهديد وجودي للأمن القومي.
وهنا تظهر المفارقة:
السعودية، التي ليست الدولة الأكثر التصاقاً جغرافياً بالمهرة، ترى في وجود قوات جنوبية هناك تهديداً لأمنها القومي، بينما الدولة الأكثر قرباً من تلك المنطقة لم تتعامل مع الأمر بالمنطق نفسه.
فهل أصبحت المسافة الجغرافية في السياسة تُقاس بغير الكيلومترات؟
أم أن القضية ليست في المهرة ذاتها، وإنما في من يملك النفوذ والقرار على الأرض؟
أين ينتهي الأمن السعودي وأين تبدأ سيادة اليمن؟
الأمن القومي مفهوم مشروع، بل هو من أهم مسؤوليات أي دولة. وهو لا يقتصر على حماية الحدود، وإنما قد يشمل حماية الموارد والممرات البحرية والمنشآت الحيوية والاستقرار الداخلي وموازين القوى ومنع قيام قوى معادية بالقرب من الحدود.
لكن عندما يتوسع هذا المفهوم إلى درجة يصبح معها وجود قوة يمنية داخل محافظة يمنية تهديداً للأمن القومي لدولة أخرى، فإن السؤال يصبح ضرورياً:
أين ينتهي الأمن القومي السعودي، وأين يبدأ حق اليمنيين في إدارة شؤون بلادهم؟
لا يمكن أن يكون اليمن مطلوباً منه أن يكون دولة ذات سيادة عندما نتحدث عن القانون الدولي، ثم يتحول إلى ساحة مفتوحة عندما تتعارض خيارات أبنائه مع حسابات دولة إقليمية.
ولا يمكن أن تكون الحدود السعودية مقدسة، بينما تصبح الحدود اليمنية مجرد خطوط على الخريطة.
إذا كان انتهاك السيادة خطراً عندما يقترب من السعودية، فلا ينبغي أن يصبح تدخلاً مشروعاً عندما يحدث داخل اليمن.
المفارقة الأكبر
السعودية دخلت الحرب اليمنية عام 2015 تحت عنوان دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وإعادة الاستقرار.
وبعد أكثر من عقد من الحرب والتدخلات والتحالفات المتبدلة، ما زال اليمن يعيش أزمة سيادة مجزأة، بينما تتنافس القوى المحلية والإقليمية على النفوذ والحدود والموانئ والثروات.
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل كان الهدف حماية اليمن من التفكك، أم إعادة ترتيب موازين القوى داخله بما يتناسب مع المصالح الإقليمية؟
لا يحتاج هذا السؤال إلى إجابة انفعالية، وإنما إلى قراءة ما جرى على الأرض.
فحين تتدخل دولة إقليمية في تشكيل موازين القوى داخل بلد آخر، ثم تصف تحرك قوة محلية لا تنسجم مع خياراتها بأنه تهديد لأمنها القومي، فإن مفهوم الأمن يصبح متداخلاً بصورة كبيرة مع مفهوم النفوذ.
وهذا هو جوهر الإشكال.
لا أحد يطلب من السعودية التخلي عن أمنها
حتى يكون النقاش منصفاً، يجب أن نقولها بوضوح:
من حق السعودية أن تدافع عن أراضيها، ومن حقها أن تواجه أي صاروخ أو مسيّرة تستهدف مدنها ومنشآتها.
ولا ينبغي لأي يمني عاقل أن يتمنى سقوط صاروخ على مدينة سعودية أو استهداف المدنيين.
لكن بالقدر نفسه، يجب أن يُقال للسعودية:
كما أن أمنك القومي مهم، فإن أمن اليمنيين وسيادة أرضهم وحقهم في تقرير مستقبلهم مهم أيضاً.
إذا كانت السعودية تريد أمناً مستقراً على حدودها، فإن أفضل طريق إليه ليس إخضاع اليمنيين، وإنما بناء علاقة متوازنة مع اليمن، تحترم سيادته وحقوق شعبه وخياراته السياسية.
فاليمن المستقر ليس تهديداً لجاره، بل مصلحة له.
عندما يصبح النفوذ اسمه الأمن القومي
المشكلة ليست في قوة الدولة عندما تستخدمها لحماية أمنها.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القوة إلى وسيلة لفرض تعريفها الخاص للأمن على الآخرين.
والأخطر من القوة العسكرية هو الاعتقاد بأن المال والتحالفات والنفوذ تمنح صاحبها حق تحديد مستقبل الشعوب.
يمكنك أن تموّل جيشاً.
يمكنك أن تدعم حكومة.
يمكنك أن تستدعي حلفاء.
لكن لا يمكنك بالمال وحده أن تجعل شعباً يتخلى عن قضيته، ولا أن تجعل التاريخ يعيد كتابة نفسه وفق رغبة دولة أخرى.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن شراء الولاءات قد يصنع ترتيبات مؤقتة، لكنه لا يصنع شرعية دائمة.
السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه
لذلك، لا أريد أن أسأل القيادة السعودية:
لماذا تخافون من الجنوب؟
بل أريد أن أطرح سؤالاً أكثر دقة:
ما هو تعريفكم للأمن القومي؟
هل هو حماية الحدود من الصواريخ والمسيّرات؟
أم منع أي قوة يمنية من امتلاك قرار مستقل في المناطق القريبة من الحدود؟
إذا كان الأول، فليكن المعيار واحداً على الجميع.
وإذا كان الثاني، فليُسمَّ باسمه الحقيقي:
نفوذ إقليمي، لا أمن قومي.
أما أن تُرفع راية «الأمن القومي» كلما تحرك الجنوبيون داخل أرضهم، ثم يُطلب من اليمنيين أن يتفهموا ضرورات الأمن السعودي، فذلك ليس توازناً في السياسة، بل ازدواجية في المعايير.
والسياسة التي تعتمد على ازدواجية المعايير قد تحقق انتصاراً عسكرياً هنا أو مكسباً سياسياً هناك، لكنها في النهاية تزرع شيئاً أخطر من الخلاف:
تزرع فقدان الثقة.
والدول، مثل الأفراد، تستطيع أن تفرض الخوف بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تفرض الاحترام بالقوة وحدها.
الأمن الحقيقي لا يُبنى بإخضاع الجار
الأمن الحقيقي لا يُبنى بإخضاع الجار، وإنما بإقامة علاقة متوازنة معه.
فالجار الذي يشعر أن أمنه مهدد من جاره لن يكون شريكاً في الأمن، بل سيبحث يوماً عن طريق آخر لحماية نفسه.
وهنا تحديداً ينبغي للرياض أن تعيد تعريف أمنها:
هل تريد يمنًا تابعاً يطيع، أم يمنًا مستقراً يحترم جواره ويحترم نفسه؟
فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين النفوذ والأمن، وبين الغطرسة والاستقرار.
وإذا كان الأمن القومي السعودي يبدأ من المهرة، ويمتد إلى حضرموت، ويتسع ليشمل كل قوة جنوبية لا تنسجم مع الحسابات السعودية، فربما آن الأوان أن نسأل بصراحة:
هل نحن أمام أمن قومي فعلاً، أم أمام خريطة نفوذ يجري تقديمها لنا تحت عنوان الأمن؟
وعندها يصبح العذر، كما يقول المثل:
أقبح من الذنب.