حين يتحول الفرح إلى مأتم، وتغدو زغاريد الزفاف مكسوة بأصوات الرصاص المروع، فهذا يعني أننا أمام ظاهرة مرضية مجتمعية تجاوزت حدود التهور لتصل إلى مستوى الجريمة السافرة.
إن إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات والأعراس لم يعد مجرد عادة سيئة يمكن غض الطرف عنها، بل تفاقم بشكل مرعب وبات السكوت عنه خيانةً لدماء الأبرياء واستخفافاً بأرواح البشر، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية والدقيقة التي تعيشها البلاد.
لم يعد السامع لتلك الأعداد الهائلة من الرصاص العشوائي يفرق بين عرس يقام للاحتفال بالحياة، أو معركة حامية الوطيس تعج برصاص الموت. تتسابق الأيادي المتهورة في استعراض القوة وإطلاق النار بغزارة، كأننا في ساحة حرب مفتوحة لا تهم فيها العواقب، في استعراض فارغ لمن يطلق أكثر. يظن مطلق النار وهو في قمة جهله وغروره أنه يعبر عن فرحته أو يتباهى بمكانته، ناسياً أو متناسياً أن كل رصاصة تُطلق بلا حساب في الهواء، لا بد أن تسقط في مكان ما على الأرض، وغالباً ما تكون كلفة ذلك باهظة ومدفوعة من دم الأبرياء.
تخيل معي أن كل رصاصة تُطلق عبثاً في السماء، قد تصيب رأساً طاهراً؛ رأس طفل بريء كان يلهو، أو امرأة آمنة في بيتها، أو شيخ طاعن في السن، أو شاب في مقتبل العمر.
كم من ضحايا سقطوا قتلى أو جرحى بلا ذنب ولا جرم، سوى أن رصاصة طائشة اخترقت أجسادهم فأنبتت الحزن في كل بيت.
إنها مأساة حقيقية تلك التي تصنعها رصاصات الطيش؛ فرحة تدوم ساعات، يتبعها حزن مقيم وعزاء لا ينتهي لعائلة فقدت معيلها أو زهرة ديارها. والأدهى والأمر هو حالة التباهي والتفاخر التي يمارسها مطلقو هذا الرصاص، وكأن إزهاق الأرواح وترويع الآمنين بات مبعثاً للفخر.
تأملوا معي كمية الأموال والذخائر التي تُهدر في الهواء خلال دقائق معدودة من عمر أي مناسبة، في وقت أحوج ما نكون فيه إلى التحلي بالمسؤولية! أليس من العقل والرجولة والغيرة الوطنية أن تُصان هذه النعم وتُحفظ هذه الإمكانيات؟
إن من يمتلك القدرة على شراء هذا الكم الهائل من الذخيرة، وينفقها للتفاخر العبثي، أولى به أن يدرك القيمة الحقيقية للرصاص؛ فبدلاً من إطلاق هذه الترسانة في الهواء لترويع النساء والأطفال وإزهاق أرواحهم، اذهبوا بها إلى الجبهات.. فهناك الرجال الذين يحتاجونها للدفاع عن الأرض والعرض، وهناك فقط يكون للرصاص معنى وقيمة، لا في ساحات الأفراح على حساب دماء الأبرياء!
إن القضاء على هذه الظاهرة المشينة لن يتحول إلى حقيقة إلا بتكاتف مجتمعي وشعبي حقيقي؛ بسلطة صارمة تضرب بيد من حديد على كل متورط ومستهتر، ووعي مجتمعي يقاطع الأعراس التي تُنتهك فيها حرمة الدماء والأرواح، وموقف أخلاقي وديني شجاع يجرم هذا الفعل ويضعه في حجمه الحقيقي كجريمة قتل غير مباشرة.
فلنوقف هذا العبث، ولنجعل من أفراحنا مساحات للسلام والحياة، لا ساحات لاستعراض كمية الرصاص المطلق بالهواء....