آخر تحديث :الأحد-18 أكتوبر 2026-08:41م

ما لا تقوله الأشياء... الحصن الذي لم يكن سورًا لنفسه! (1)

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - الساعة 07:00 م

د. سمير أحمد بوست
بقلم: د. سمير أحمد بوست
- ارشيف الكاتب

حكاية من جزأين

(1) حين ضاق الطريق


على مرتفعٍ يطلّ على السهول والوديان، كان يقوم حصنٌ عريق، تحيط به الأسوار وتنتشر حوله أبراج المراقبة. لم يكن أكثر الحصون ارتفاعًا فحسب، بل كان من أشدّها منعةً؛ ففي داخله مخازن للماء والمؤن، وفي أرجائه أسودٌ تعرف الطرق، وتجيد قراءة تضاريس الأرض قبل أن تخطو فوقها.


وكان يحكمه أسدٌ كبير، لا يكثر من الزئير في المجالس، ولا يرى في ارتفاع الصوت دليلًا على ارتفاع المكانة. كان يؤمن بأن الحصون لا تُقاس بارتفاع أسوارها وحدها، بل بما تمنحه الطرق المحيطة بها من أمان.


وكان يقول لحراسه: "ليس النجاح أن يسمع الجميع زئيرنا، بل أن نعرف متى يكون العمل أبلغ منه."


وعلى مقربة من الحصن، عاش أسدان متجاوران، لكلٍّ منهما أرضه وقطيعه ومراعيه. وبعد سنوات من التنافس، اتفقا على تنسيق شؤونهما وجمع قوتهما، أملاً في حماية أرضيهما وتأمين موارد العيش.


لكن الاتفاق لم يُنهِ كل الخلافات.


كان بينهما ممرٌّ ضيق يؤدي إلى مورد ماء مهم، ولكل طرف حساباته بشأن حراسته وتنظيم المرور إليه. ومع مرور الوقت، تحوّل الخلاف على الممر إلى خلاف على الثقة، وصار كل أسد يرى في تصرفات جاره دليلًا جديدًا على سوء النية.


ثم ظهر فصيلٌ متمرّد داخل قطيع أحدهما، لم يكتفِ بمخالفة زعيمه، بل أخذ يفرض سلطته بالعنف، ويبطش بمن يعارضه، ويقتل كثيرًا من الأسود من القطيعين. اتسعت دائرة الخوف، وتعمّق الشقاق، وأصبح الخلاف القديم أرضًا خصبة لمزيد من الفوضى.


وفي الجهة الأخرى من الصخور، كان يعيش أسدٌ متغطرس، يراقب ما يجري بصبر الصياد الذي لا يحتاج إلى مطاردة فريسته ما دامت تقترب منه وحدها.


لم يكن يعنيه مَن بدأ الخلاف، ولا مَن يملك الحجة الأقوى؛ كانت تهمّه المساحة التي يستطيع إضافتها إلى نفوذه.


وحين انشغل الجاران باتهام بعضهما، استغل الفوضى، وتقدّم بأسوده، واستولى على مرتفع استراتيجي، ثم ضيّق الطريق المؤدي إلى الماء، حتى صار الوصول إليه أكثر مشقةً وخطورة.


عندها، اكتشف الجاران أن الخلاف الذي ظنّاه محصورًا بينهما قد فتح الباب أمام خطر أكبر.


كانت الأشبال تضعف من العطش، والمؤن تتناقص، والطرق تضيق، فيما لم تتوقف المجالس عن تبادل اللوم.


قال أحد الأسدين: "لو أن جيراننا لم يتدخلوا، لما وصلنا إلى هذا الحال!"


فردّ الآخر بمرارة: "ولو أحسنت إدارة الخلاف منذ البداية، لما وجد أحدٌ فرصةً للتدخل!"


وبين الاتهام والرد، كان الماء يبتعد، والخطر يقترب.


وصلت إلى الحصن رسالتان، واحدة من كل أسد. حملت كل منهما تفاصيل طويلة عن أخطاء الطرف الآخر، وتبريرات لما جرى، وطلبًا عاجلًا للمساعدة.


قرأ الأسد الكبير الرسالتين، ثم وضعهما جنبًا إلى جنب، وقال لمستشاريه: "وجد كلاهما الوقت ليشرح لنا مَن المخطئ، ولم يجد بعد الوقت الكافي ليبحث مع الآخر عن مخرج!"


لم يرفض المساعدة، لكنه أرسل إليهما رسالة واضحة: لن يكفي فتح الطريق ما دام كل طرف يرى في الآخر الخطر الوحيد؛ فلا بد من تنسيق الجهود لحماية ما تبقّى لهما.


وفي اليوم التالي، وصل وفد من الحصن يحمل خطةً لفتح طريق بديل، وتأمين وصول المؤن، وإعادة فتح الممر الرئيسي متى سمحت الظروف. جاءت الفرق بالمعدات والخبرة اللازمة، فيما أعاد الأسدان تنظيم الحراسة، ونسّقا حركة القوافل، وتبادلا المعلومات التي كان كل منهما يحتفظ بها عن الآخر كأنها أسرار حرب.


لم تأتِ فرق الحصن لتأخذ مكان حراس الجارين، بل لتسدّ النقص في الإمكانات، وتساعدهما على استعادة قدرتهما على حماية أرضيهما.


ولأول مرة منذ أشهر، عرف كل طرف ما الذي يفعله الآخر، ومتى يحتاج إليه.


لكن الأسد المتغطرس لم يكن مستعدًا للتراجع بسهولة...


يتبع — الجزء الثاني: المصابيح التي لم تنطفئ