ليس من الإنصاف أن نطالب المحافظ اللواء الدكتور مختار الخضر الرباش بأن يصلح في أشهر ما أفسدته سنوات طويلة من الإهمال والتراكمات، وليس من الحكمة أن نحاسبه على تركة ثقيلة ورثها بعد أكثر من عشر سنوات عجاف، وكأن بيده عصا سحرية تستطيع أن تغيّر واقع المحافظة بين ليلة وضحاها.
إن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى حجم المسؤولية، وشحّ الموارد، وتعقيدات الواقع، والتحديات المتراكمة التي تقف أمام أي جهد يسعى إلى انتشال محافظة أبين من واقعها الصعب.
المحافظ الرباش أمام معركة حقيقية، عنوانها التنمية، وهدفها استعادة عافية أبين وكرامة أبنائها.
ومن يعرف واقع أبين يدرك أن المشكلة لا تقتصر على الخدمات المتعثرة أو المشاريع المتوقفة، بل تمتد إلى تعقيدات إدارية وأمنية ومراكز نفوذ متعددة، الأمر الذي يجعل مهمة المحافظ أكثر صعوبة، ويضع أمامه تحديات تتجاوز حدود العمل الإداري التقليدي.
فالمحافظة، مع الأسف، تضم تشكيلات وقوى أمنية وعسكرية متعددة، من الأمن العام والأمن الوطني والقوات الخاصة والألوية المختلفة، ولا تزال هذه التشكيلات، بحسب الواقع الذي يراه أبناء المحافظة، بحاجة إلى مزيد من التنسيق والتكامل تحت مظلة مؤسسية موحدة، وغرفة عمليات مشتركة، بما يضمن وحدة القرار الأمني واحترام التسلسل القيادي ومؤسسات الدولة.
وفي ظل هذا الواقع، لا يمكن تحميل المحافظ وحده مسؤولية كل أوجه القصور، في الوقت الذي تحتاج فيه أبين إلى تكاتف الجميع، وتوحيد الجهود، وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى.
اللواء الدكتور مختار الرباش، الذي يعرفه مؤيدوه بالنزاهة والشرف والزهد وحفظ كتاب الله، يستحق أن يُقيَّم عمله بميزان العدل والإنصاف، لا بمنطق تصيّد الأخطاء وإطلاق الأحكام المتعجلة. فالمحافظ الذي يتحمل مسؤولية إدارة محافظة مثقلة بالأزمات يحتاج إلى النقد المسؤول الذي يصوّب المسار، لا إلى حملات تثبط العزائم أو تتجاهل حجم التحديات.
ونحن هنا لا نقول إن الأخطاء ممنوعة، ولا إن المسؤول فوق النقد والمساءلة؛ بل نقول إن النقد البناء ضرورة، والمحاسبة العادلة حق، لكنهما يجب أن يكونا منصفين، يستندان إلى الوقائع، ويهدفان إلى الإصلاح لا إلى الهدم. فمن يعمل قد يخطئ، والعبرة بقدرته على تصحيح الخطأ، ومراجعة القرارات، والاستفادة من الملاحظات، والمضي نحو الأفضل.
إن معركة التنمية في أبين ليست معركة المحافظ وحده، بل معركة مجتمع بأكمله؛ معركة تحتاج إلى دعم المخلصين، وتعاون القيادات، وتكاتف رجال المال والأعمال، ومشاركة الكفاءات، وإسناد أبناء المحافظة لكل خطوة جادة تخدم الناس وتعيد الأمل إلى نفوسهم.
أبين لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات وتبادل الاتهامات، بل تحتاج إلى مشاريع ملموسة، وخدمات تتحسن، وطرقات تُصلح، ومؤسسات تُفعّل، وأمن يستقر، وموارد تُدار بشفافية ومسؤولية. وتحتاج قبل ذلك كله إلى إرادة جماعية تؤمن بأن إنقاذ المحافظة مسؤولية مشتركة لا يجوز اختزالها في شخص واحد، ولا تعطيلها بسبب الخلافات والحسابات الضيقة.
ومن هذا المنطلق، فإن الوقوف مع المحافظ الرباش في جهوده التنموية لا يعني منحه صكًا مفتوحًا، بل يعني منحه الفرصة الكافية للعمل، ومساندة الخطوات الإيجابية، وتقديم النقد الصادق حين تدعو الحاجة، ومطالبته بالنتائج وفق الإمكانات والمدة الزمنية والظروف المتاحة.
إن أبين أكبر من الأشخاص، وأغلى من المصالح الضيقة، ومستقبلها يستحق أن نتكاتف جميعًا من أجله.
وللمحافظ الرباش نقول: إن المسؤولية ثقيلة، والطريق شاق، لكن أبناء أبين ينتظرون منك أن تواصل العمل، وأن تجعل أولويات المواطن في مقدمة اهتماماتك، وأن تفتح أبوابك للكفاءات والمخلصين، وأن تضع معايير واضحة للأولويات والإنجاز، حتى يشعر المواطن بأن هناك تغييرًا حقيقيًا يتشكل على أرض الواقع.
وفي الختام، نسأل الله العلي القدير أن يوفق اللواء الدكتور مختار الخضر الرباش إلى ما فيه الخير والصلاح والسداد، وأن يعينه على حمل الأمانة، وأن يسدد خطاه في خدمة أبين وأبنائها، وأن يكتب لهذه المحافظة الجريحة عهدًا جديدًا من التنمية والاستقرار والازدهار.
أبين تستحق الحياة، وأبناؤها يستحقون الأفضل، ومعركة النهوض بها مسؤولية الجميع.