حين تعجز الحكومة عن ملاحقة الفساد، تلاحق جيوب المواطنين؛ وحين تضيق بها سُبل الإيرادات، تكتشف فجأة أن جيوب الفقراء منجمٌ لا ينضب!!!
فيا لها من عبقرية اقتصادية تستحق التدريس في كليات الإدارة والاقتصاد!!!
فبدلًا من تجفيف منابع الفساد، وإغلاق ثقوب المال العام، ومراجعة نفقات المسؤولين وامتيازاتهم.....
اختارت الحكومة الطريق الأقصر:
رفع أسعار المشتقات النفطية، وزيادة الرسوم الجمركية، وترك الأسعار تشتعل، فيما الرواتب تتقن فن الاختفاء والتأخير!!!)
وفي مفارقة يمنية مؤلمة...
يُدعى الشعب إلى النفير والتعبئة لمواجهة المشروع الحوثي، ويُطلب منه تقديم التضحيات دفاعًا عن الجمهورية والدولة؛ ثم تأتي القرارات الاقتصادية لتضعه أمام جبهة أخرى:
جبهة الجوع والغلاء والعجز عن توفير الضروريات.
كأن المواطن مطالب بأن يقاتل في الجبهات نهارًا، ويقاتل الأسعار ليلًا، بينما تنعم بعض دوائر السلطة بامتيازاتها، وكأن البلاد تعيش رخاءً لا تعرفه موائد الفقراء!!!
لسنا ضد الإيرادات، ولا ننكر حاجة الدولة إلى الموارد، لكننا نسأل: لماذا لا يبدأ التقشف من القمة بدلًا من أن تكون فاتورته الدائمة على حساب القاع؟
لماذا لا يُمنح أعضاء مجلسي النواب والشورى إجازة مفتوحة دون مرتب، مراعاةً لظروف البلاد المالية، وتكريسًا لمبدأ أن المسؤولية الوطنية تقتضي التضحية من الجميع؟
ولماذا لا تُوقف البعثات الدبلوماسية في كثير من الدول التي لا تبرر المصالح الوطنية كلفة استمرارها، ويُخفَّض عدد ممثلي السلك الدبلوماسي إلى أدنى مستوى تقتضيه الضرورة، مع الحفاظ على التمثيل الذي يخدم مصالح اليمن ومواطنيه؟
ولماذا لا تُراجع رواتب كبار المسؤولين وامتيازاتهم، وتُخفض النفقات الخارجية، وتُكافح أوجه الفساد والهدر، وتُستعاد الموارد العامة، ويُعمل على استئناف تصدير النفط والغاز، بدلًا من استنزاف ما تبقى في جيوب المواطنين؟
أما رفع الرسوم الجمركية بنسب كبيرة، تصل بحسب ما يُتداول إلى 300% في بعض الحالات، فقد يتحول إلى موجة غلاء جديدة يدفع ثمنها المستهلك البسيط، الذي لا يملك ترف تأجيل احتياجات أسرته، ولا يجد راتبًا منتظمًا يحميه من تقلبات السوق.
يا حكومتنا الرشيدة:
إن التقشف ليس أن تُضيَّق الحياة على الفقراء حتى يعتادوا الحرمان، بل أن تبدأ السلطة بنفسها، وتراجع نفقاتها، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتثبت أن المناصب لا تمنح أصحابها حصانة من واجبات المواطنة.
فالتعبئة الوطنية لا تُبنى بالخطب وحدها، والثقة لا تُصان بالشعارات، والجبهة الداخلية لا تقوى حين يشعر المواطن أنه يدفع ثمن الحرب مرتين: ( مرة من أمنه واستقراره، ومرة من قوته وقوت أسرته) !!!
لا تجعلوا جيب المواطن آخر خزائن الدولة التي تُفتح، وأولها التي تُستنزف!!!
أوقفوا الهدر، وحاربوا الفساد، ووفّروا المرتبات، واحموا الأسواق من الانفلات، واجعلوا التضحية مسؤولية مشتركة تبدأ من أصحاب القرار قبل أن تصل إلى موائد الفقراء.
يكفي الشعب جحيم الحرب؛ فلا تحوّلوا لقمة عيشه إلى جبهة إضافية، ولا تجعلوا الفقر ضريبة إلزامية على الوطنية.
فالدولة التي تطلب من شعبها أن يدافع عنها، ينبغي أن تثبت له أنها لا تحتاج إلى تجويعه كي تبقى!