في مؤسسات التعليم العالي، قد تبدو ملفات الجودة مكتملة، والخطط موجودة، والاستبيانات منفذة، والتوصيفات الأكاديمية معدة، ومحاضر الاجتماعات موثقة، والدراسة الذاتية مكتملة الصفحات... لكن السؤال الأهم ليس: ماذا لدينا من ملفات؟ بل: ماذا فعلنا بهذه الملفات على أرض الواقع؟
فهنا تكمن حقيقة الجودة.
الجودة ليست مجموعة من الملفات التي تُرتَّب بعناية استعدادًا لزيارة لجنة التقييم والاعتماد الأكاديمي، وليست أوراقًا تُستخرج من الأدراج عند الحاجة، وإنما هي ثقافة مؤسسية وممارسة يومية تنعكس على أداء الجامعة ونتائجها ومستوى خدماتها التعليمية والإدارية.
فالخطة التي لا تُنفذ تظل حبرًا على ورق، والاستبيان الذي تُجمع بياناته دون تحليل واستفادة من نتائجه يفقد قيمته، وتوصيف البرنامج أو المقرر الذي لا ينعكس على الممارسة التعليمية يصبح مجرد وثيقة، ومحضر الاجتماع الذي لا تتحول توصياته إلى إجراءات ومعالجات لا يحقق الغاية التي أُعد من أجلها.
ليست العبرة بأن تكون لدينا وثائق جودة، وإنما العبرة بما أحدثته هذه الوثائق من تغيير وتحسين وتطوير.
إن ملفات الجودة والتقارير والدراسات الذاتية ومحاضر الاجتماعات وغيرها من الوثائق ليست الجودة نفسها، وإنما هي أدلة وشواهد على أن الجودة تُمارس فعليًا.
ومن الخطأ أن تتحول الجودة إلى حالة مؤقتة تظهر قبل زيارة لجنة الاعتماد الأكاديمي، ثم تتراجع بعد انتهاء الزيارة، فالجودة الحقيقية لا تنتظر لجنة تقييم، ولا ترتبط بموعد زيارة، ولا تتوقف على الحصول على شهادة اعتماد.
الجودة تبدأ صباح كل يوم داخل القاعة الدراسية، وفي المختبر، وفي مكتب عضو هيئة التدريس، وفي شؤون الطلبة، وفي الإدارة، وفي كل كلية وقسم ووحدة ومرفق من مرافق الجامعة.
وعندما تكشف نتائج تقييم الطلبة عن جوانب تحتاج إلى تحسين، يجب أن تتحول النتائج إلى قرارات وإجراءات، وعندما تكشف مؤشرات الأداء عن جوانب قصور، ينبغي التعامل معها بجدية، وعندما تقدم لجان الجودة توصياتها، يجب أن تجد طريقها إلى التنفيذ والمتابعة وقياس الأثر.
وهنا يتحول التقييم إلى تحسين، والتحسين إلى تطوير، والتطوير إلى تميز مؤسسي.
إن الجامعة التي تسعى إلى التميز الحقيقي لا تمارس الجودة من أجل الحصول على شهادة الاعتماد الأكاديمي فقط، بل تجعل الجودة جزءًا من ثقافتها وهويتها وطريقة عملها.
فالاعتماد الأكاديمي ينبغي ألا يكون هو الهدف النهائي للجودة، بل ينبغي أن يكون إحدى نتائج المؤسسة التي بنت نظامًا حقيقيًا للجودة والتحسين المستمر.
ولذلك، فإن مسؤولية الجودة لا تقع على مركز أو وحدة الجودة وحدها، وإنما هي مسؤولية جماعية تبدأ من القيادة الجامعية، وتمتد إلى العمداء ورؤساء الأقسام وأعضاء هيئة التدريس والموظفين والطلبة، وكل من يشارك في صناعة العملية التعليمية والإدارية.
نحن بحاجة إلى الانتقال من "جودة الملفات" إلى "جودة الممارسة"، ومن توثيق ما نقول إلى إثبات ما نفعل، ومن الاستعداد للزيارة إلى الاستعداد الدائم للتميز.
فالجامعة المتميزة ليست التي تمتلك أكبر عدد من الملفات، وإنما التي تستطيع أن تقول بثقة:
هذه خطتنا... وقد نفذناها.
وهذه نتائج تقييمنا... وقد حللناها.
وهذه جوانب القصور... وقد عالجناها.
وهذه توصياتنا... وقد تابعنا تنفيذها.
وهذا أثر التحسين... ويمكننا قياسه.
عندها فقط تصبح الجودة واقعًا لا شعارًا، وممارسة لا إجراءً شكليًا، وثقافة لا موسمًا مؤقتًا.
الجودة ليست ملفات وورقًا...
الجودة ممارسة يومية، وتحسين مستمر، ومسؤولية جماعية، وطريق حقيقي نحو التميز المؤسسي.