لم تكن زيارتي إلى يهر صباح اليوم السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ زيارة عادية؛ إذ كنت في نزهة بسيطة برفقة الناشط الزراعي والشخصية الاجتماعية المعروفة، وأول من أنتج الكمبوست الهوائي في يهر، وأول من أنتج البن العضوي فيها؛ الأخ العزيز مراد رشاد الحربي.
كنا نتجول بين جمال يافع المعروف، هوائها النقي وجبالها الشامخة ومدرجاتها التي تحكي قصة الإنسان اليمني مع الأرض، وفي الطريق لفت انتباهي شيء غريب، فاستوقفت مراد، ونزلت من السيارة مسرعا لأصور! فهناك، على جانب الطريق، وفي بطن بعض الأودية، كانت تقف شجرات غريبة عن يهر! شجرات لم أعهدها في جبال يهر: شجرة المسكيت (السيسبان).
ربما نظن لأول وهلة أنها شجرة واحدة؛ لكن من يعرف هذا العدو؛ يعرف أن الشجرة الواحدة تعني ألف شجرة بعد عام؛ فكيف إذا كانت سبع شجرات في موقع واحد وأغلبها مثمر بشكل قوي جدا!
فيا أهل يهر! يا أهل يافع! يا كل أهل اليمن، اسمعوا هذا التحذير قبل فوات الأوان:
إن ما رأيته في يهر ليس شجرة ظل، إنه عدوٌ متخفٍ بثوب أخضر. نبات وصفته كل العلوم التي دَرَسَتْه - من علم البيئة إلى علم المياه إلى الطب البيطري - بأنه أخطر غازٍ بيولوجي عرفته اليمن.
قد يقول قائل: وما ضرر شجرة؟ فأقول لكم: ضررها ليس كضرر شجرة؛ بل كضرر جيش احتلال؛ إذا تمكن من الأرض.
لماذا المسكيت عدو يجب نزعه من جذوره الآن؟:
أولا: هو سارق الماء الذي سيعطش يهر؛ فيهر مدينة الجبال والآبار والغيول؛ فالمسكيت لا يعيش على المطر؛ جذره كالرمح ينزل 50 مترا في باطن الأرض؛ ليشرب من حوضكم الجوفي. والشجرة الواحدة تشرب 40 لترا يوميا. وتخيلوا واديا كاملامنه بعد خمس سنوات، ماذا سيبقي لآباركم ومزارعكم؟ سيجففها وهي حية!
ثانيا: هو قاتل الأرض الطيبة؛ فهذه الشجرة تمارس حربا كيميائية قذرة. أوراقها وجذورها تفرز سما في التربة يمنع أي بذرة أخرى من أن تنبت. لا قمح، لا دخن، لا سدر، لا سمر، ولا حتى حشيش للغنم؛ فحيث يحل المسكيت، تموت كل النباتات الأصيلة التي عاشت مع أجدادكم آلاف السنين. ويترك الأرض خضراء كاذبة؛ لكنها ميتة!
ثالثا: هو ذابح الثروة الحيوانية؛ فأغنامكم وأبقاركم قد تأكل قرونه الحلوة اليوم؛ لكنها ستدفع الثمن غدا؛ إذ يسبب لها تشوه الفك وتآكل الأسنان ومرض "الوجه الملتوي" المشهور؛ فلا تعود قادرة على الأكل. والأخطر، أن بذوره تخرج مع روثها حية، فتنشره حيواناتكم بأرجلها إلى كل جبل ووادٍ.
رابعا: هو خطر على صحتكم وأطفالكم؛ فشوكته ليست كأي شوكة. شوكته مسمومة، جرحها يلتهب ولا يبرأ بسهولة، وحبوب لقاحها تسبب الربو والحساسية المزمنة. وغاباته الكثيفة هي البيوت الآمنة للثعابين والعقارب والبعوض الذي ينقل الأمراض.
فيا أهلنا في يهر! أنا رأيت ما فعله هذا النبات في أبين. رأيت أراضٍ زراعية بآلاف الهكتارات ابتلعها بالكامل، وطرقا أغلقها، وآبارا جففها، حتى أصبحت إزالته تحتاج لجرافات وملايين الريالات.
وما رأيته في يهر اليوم هو بداية شجيرات قليلة متناثرة ربما يمكن لطفل أن يقلعها بيده الآن. لكن إن تهاونتم وقلتم "هي مجرد شجرة"، فبعد ثلاث سنوات لن تستطيع جرافة أن تقلعها. ستخرج عن السيطرة وستبكون حينها على أوديتكم وجبالكم، ولات حين مندم!
ولهذا فإنني أقولها بوضوح: من يجد هذه الشجرة في أي مكان في يهر، فليعتبر وجودها خطرا داهما يهدد الماء والزراعة والإنسان والحيوان والحياة كلها!
وعليه أن يبلغ عنها فورا الجهات المعنية، ووجهاء المجتمع، وعامة الناس، وعلى الناس والجهات المعنية أن يتعاملوا مع هذا البلاغ في أعلى درجات الخطورة والاستنفار.
وعلى الجميع أن يستنفروا جماعيا، وبكل معداتهم وإمكانياتهم، من أجل اقتلاعها من جذورها، لا قطعها من الأعلى، وإحراق ثمارها وقرونها؛ حتى لا تنتشر بذورها من جديد. وازرعوا مكانها السدر والطلح اليافعي الأصيل.
ورسالتي إلى الخطباء والمرشدين الزراعيين والمعلمين: عليكم مسؤولية عظيمة في توعية المجتمع بمخاطر هذه الشجرة، حذروا الناس في المساجد والمدارس والمجالس، فالمعركة معها معركة وعي قبل أن تكون معركة قلع.
وقد جمعنا تدبير القدر في نفس اليوم بالأخ محمد عبدالحافظ البرهمي -مدير الزراعة بمديرية يهر- فنبهناه على وجودها وشرحنا له مدى خطورتها وكارثيتها إن تُركت، كما قمنا بتنبيه من استطعنا تنبيهه من المواطنين والمزارعين في الطريق.
إنها ليست شجرة؛ إنها كارثة تزحف ببطء؛ ولهذا أوجه ندائي الأخير:
إلى السلطة المحلية والوجهاء والمشايخ والعقال والمزارعين والشباب والطلاب في يهر خاصة ويافع عامة: تظافروا الآن! شكلوا حملة أهلية عاجلة لاقتلاعها! لا يغريكم منظرها فتزرعوها أمام بيوتكم كزينة، ولا تسمحوا لأحد أن يجلب شتلاتها.
ما رأيته اليوم كان رسالة إنذار، والفرصة لا تزال بأيديكم اليوم، وغدا قد لا تكون.
اللهم إني رأيت، وصورت، وحذرت، ونبهت؛ فاشهد!