آخر تحديث :الثلاثاء-25 أغسطس 2026-02:53م

حين يصبح الراتب المتأخر ثمنًا يدفعه الأطفال.. عسكري يوقف أبناءه عن الدراسة بحثًا عن لقمة العيش

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 - الساعة 01:49 م

د. غسان ناصر عبادي
بقلم: د. غسان ناصر عبادي
- ارشيف الكاتب

لم تعد أزمة تأخر صرف المرتبات بالنسبة لكثير من الموظفين والعسكريين مجرد مشكلة مالية عابرة، بل تحولت إلى معاناة يومية تمس أبسط مقومات الحياة، وتلقي بظلالها الثقيلة على أسر بأكملها، حتى بات بعض الآباء عاجزين عن توفير احتياجات أطفالهم الأساسية، وفي مقدمتها التعليم.


وخلال لقاء عابر جمعني بأحد منتسبي القوات المسلحة التابعة للشرعية، ممن يتقاضون رواتبهم بالريال اليمني، بادرني بسؤال تختصر كلماته حجم المعاناة التي يعيشها:

«متى الراتب يا دكتور!؟»


ثم استطرد، بصوت يملؤه القهر والحسرة:

«هل تصدق أنني لم أستطع حتى شراء الحقائب والدفاتر لأطفالي؟ لدي طفلان يدرسان في الصفين الرابع والسادس من التعليم الأساسي، وقد وصلت إلى قرار بإيقافهما عن الدراسة، ليس لأنني لا أريد لهما التعليم، وإنما لأنني عاجز عن توفير احتياجاتهما، في ظل تأخر الراتب وتراكم الديون.»


كانت كلماته ثقيلة، لا سيما حين تحدث عن راتبه المتأخر لأربعة أشهر، وعن احتمال صرف راتب شهر واحد فقط بعد أيام، إذا صدقت الوعود.


وهنا يبرز السؤال المؤلم: ماذا يستطيع راتب شهر واحد أن يفعل أمام أربعة أشهر من الالتزامات المتراكمة؟

قال لي:

«إذا استلمت راتب شهر، فهل أشتري به الغذاء لأسرتي المكونة من سبعة أشخاص؟ أم أدفع الإيجار؟ أم أسدد جزءًا من الديون؟ أم أشتري الماء بعد أن انقطع عنا منذ مدة؟ أم أوفر الغاز؟ أم أشتري مستلزمات الدراسة لأطفالي؟»


ثم أضاف، وقد بلغ به اليأس مبلغًا كبيرًا:

«لم أجد أمامي إلا أن أوقف أولادي عن الدراسة، وأشتري لهم ما يسد جوعهم، التعليم مهم، لكن الجوع لا يمكن تأجيله!»


هذه ليست حكاية فردية تبحث عن التعاطف، بقدر ما هي صورة إنسانية مؤلمة لما يمكن أن تفعله أزمة المرتبات حين تطول، وتتحول من تأخر في الاستحقاق إلى أزمة معيشية تهدد استقرار الأسرة ومستقبل الأبناء.


فالعسكري الذي يؤدي واجبه وينتظر راتبه لا ينتظر مبلغًا إضافيًا أو امتيازًا استثنائيًا، إنه ينتظر مصدر دخله الذي يعيل به أسرته، ويدفع إيجار منزله، ويشتري غذاء أطفاله، ويوفر لهم الماء والغاز والدواء، ويحافظ على استمرارهم في التعليم.


وبينما كنت أحاول التخفيف عنه، وأقول له إن الفرج قريب، وإن شاء الله تصرف المرتبات المتأخرة ويتمكن من إعادة أبنائه إلى مقاعد الدراسة، قطع حديثنا أحد أبناء الحي، جاء مسرعًا وهو يحمل دبة الغاز، قائلاً:

«مندوب الحارة جاب الغاز.. أسرعوا قبل أن يكمل!»

فكان رد العسكري، بعفوية تختزل حجم المأساة:

«أين الراتب حتى نعبي غاز؟»


توقفت عند هذه الجملة طويلًا، ففي بلد أنهكت أهله الحروب والأزمات، أصبح السؤال عن الراتب مرتبطًا بكل تفاصيل الحياة:

ماذا نأكل؟ أين نسكن؟ كيف نوفر الماء؟ كيف نشتري الغاز؟ وكيف نُبقي أبناءنا في مدارسهم؟


إن انتظام صرف المرتبات ليس مطلبًا ماليًا فحسب، وإنما قضية معيشية وإنسانية واجتماعية، لأن تأخر راتب الأب لا يتوقف أثره عنده، بل يمتد إلى زوجته وأطفاله، وإلى تعليمهم وصحتهم واستقرارهم النفسي والاجتماعي، ومن المؤلم أن يصل رب أسرة إلى مرحلة يضطر فيها إلى المفاضلة بين إطعام أطفاله وتعليمهم، وبين سداد الإيجار أو شراء الماء والغاز.


لذلك، فإن المسؤولية تقتضي التعامل مع ملف المرتبات باعتباره أولوية تمس حياة الناس بصورة مباشرة، والعمل على انتظام صرفها ومعالجة المتأخرات، بما يخفف عن كاهل هذه الأسر أعباء تراكمت عليها لأشهر.


فوراء كل راتب متأخر أب ينتظر، وأم تحاول تدبير ما تبقى، وأطفال يحملون حقائب مدرسية قد تتحول، بفعل الحاجة، إلى أمنية مؤجلة، نأمل أن تصل أصوات هؤلاء إلى من يملكون القرار، وأن يأتي الفرج قبل أن يدفع مزيد من الأطفال ثمن أزمة لا ذنب لهم فيها.