تُقاس قيمة رجال الدولة في اللحظات المفصلية بقدرتهم على تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والمناطقية والقبلية، ومدى تمسكهم بوحدة الوطن وسيادته واستقلال قراره. ومن هذا المنظور، تبرز تجربة الرئيس عبد ربه منصور هادي بوصفها تجربة سياسية ارتبطت بمرحلة شديدة التعقيد من تاريخ اليمن الحديث، إذ شهدت تحولات سياسية وأمنية وعسكرية عميقة، وتداخلت فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
تولى هادي رئاسة الجمهورية في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية عقب الأحداث التي شهدها اليمن عام 2011. ولم تكن مهمة الرئاسة في تلك المرحلة مهمة عادية؛ فقد كان على الرئيس أن يتعامل مع انقسامات سياسية واجتماعية وعسكرية، وأن يعمل على إبقاء الدولة اليمنية متماسكة في ظل ظروف تهدد وحدتها واستقرارها.
ومن أبرز الجوانب التي يمكن التوقف عندها في تجربة هادي مفهوم الولاء للدولة بوصفها الإطار الجامع لليمنيين. ومن هذا المناطق فقد حرص، في خطاباته وممارسته السياسية، على تقديم الهوية الوطنية الجامعة على الانتماءات المناطقية والقبلية، ولم يجعل من انتمائه الجغرافي أو الاجتماعي مدخلًا لبناء سلطة خاصة أو مشروع سياسي مناطقي. وهذه نقطة مهمة في قراءة تجربته؛ إذ إن بناء الدولة الحديثة لا يستقيم عندما تتحول القبيلة أو المنطقة إلى بديل عن مؤسسات الدولة.
وقد ارتبط اسم هادي كذلك بمحاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس وطني، ولا سيما المؤسسة العسكرية والأمنية. فقد جاءت إعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن في إطار الجهود الرامية إلى الحد من نفوذ مراكز القوى العسكرية والشخصية، وإعادة الاعتبار لمبدأ المؤسسة الوطنية التي يفترض أن يكون ولاؤها للدستور والقانون والدولة، لا للأشخاص أو العائلات أو القبائل.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى موقف هادي من قبيلته ومن دائرته الاجتماعية بوصفه أحد المؤشرات على رؤيته لطبيعة السلطة. فلم يعمل وفق هذا التصور، على تحويل الانتماء القبلي إلى شبكة للسيطرة على مفاصل الدولة، أو إلى وسيلة لاحتكار المواقع العسكرية والمدنية، بل حاول إبقاء المسافة قائمة بين الانتماء الاجتماعي وبين إدارة مؤسسات الجمهورية. وتكتسب هذه المسألة أهميتها في مجتمع مثل اليمن، حيث ظلت الاعتبارات القبلية والمناطقية حاضرة بقوة في الحياة السياسية والاجتماعية.
إن عدم تحويل القبيلة إلى مؤسسة سياسية موازية للدولة يمثل مبدأً جوهريًا في بناء الدولة الوطنية؛ فالمسؤول الذي يستمد قوته من مؤسسات الدولة، لا من عصبية اجتماعية، يكون أقرب إلى مفهوم المواطنة المتساوية. ومن هنا يمكن قراءة تجربة هادي باعتبارها محاولة لترسيخ فكرة أن المناصب العامة ليست ملكًا للرئيس أو لأسرته أو لقبيلته أو لمنطقته، رغم وجود العديد من الشخصيات المؤهلة علميا وأكاديميا من أبناء قبيلته والقادرة على قيادة العديد من المناصب الإدارية والعسكرية والدبلوماسية، فقد فضل أن تكون تلك الشخصيات بعيدة عن مفاصل الدولة لتفسح المجال لجميع أبناء اليمن من مختلف المحافظات للمشاركة الفاعلة في بناء الدولة المدنية، وكانت رؤيته تنطلق من مسؤولية وطنية خاضعة لمعايير الكفاءة والمصلحة العامة.
كما ارتبطت فترة رئاسته بمحطات سياسية مهمة، أبرزها مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي مثّل محاولة لإيجاد صيغة سياسية جامعة لمعالجة أزمات اليمن، ووضع أسس جديدة للدولة ومؤسساتها. وعلى الرغم من أن مشروع الانتقال السياسي واجه تحديات كبيرة، فإن الدعوة إلى الحوار والاحتكام إلى التسوية السياسية كانت تعكس رغبة في تجنيب البلاد الانزلاق الكامل إلى الصراع الداخلي.
وفي مسألة السيادة الوطنية، واجه هادي ظروفًا شديدة التعقيد، خصوصًا بعد سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء وتوسعها العسكري، وما ترتب على ذلك من انهيار مؤسسات الدولة ودخول اليمن في دائرة الصراع الإقليمي. وفي تلك الظروف، ظل هادي يتمسك، في خطابه السياسي، بشرعية الدولة اليمنية وبضرورة الحفاظ على وحدتها ومؤسساتها، ورفض تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة للمشروعات الخارجية المتصارعة.
إن الفترة التي حكم فيها اليمن كانت من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخه المعاصر، وشهدت أحداثًا جسيمة لا يمكن تحميل مسؤوليتها لطرف واحد. غير أن تقييم تجربة أي رئيس ينبغي التمييز بين النقد السياسي المشروع وعدم إنكار المبادئ التي أعلنها وتمسك بها، وفي مقدمتها وحدة اليمن، وشرعية الدولة، والحوار، إذ رفض تحويل الانتماءات الاجتماعية إلى أدوات للهيمنة على مؤسسات الجمهورية.
ومن أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة عبد ربه منصور هادي أن الولاء الوطني لا يُقاس بالانتماء إلى منطقة أو قبيلة، وإنما بمدى قدرة رجل الدولة على تجاوز خصوصيته الاجتماعية عندما يتولى مسؤولية عامة. فالرئيس، حين يتولى موقعه، يصبح مسؤولًا عن جميع أبناء الوطن، ولا يعود من المقبول أن يتعامل مع الدولة باعتبارها امتدادًا لقبيلته أو عائلته أو منطقته.
لقد مثّل هادي، في جانب من تجربته السياسية، صورة لمسؤول جاء من بيئة قبلية ومجتمعية قوية، لكنه لم يجعل من قبيلته مشروعًا للسلطة، ولم يسعَ إلى إحلالها محل مؤسسات الدولة. وهذه المسألة، بصرف النظر عن الاختلاف السياسي حول أدائه، تظل جديرة بالتأمل عند الحديث عن مفهوم الدولة الوطنية في اليمن.
وفي الختام، فإن تجربة الرئيس عبد ربه منصور هادي تقدم مادة مهمة للنقاش حول معنى الولاء الوطني في الحياة السياسية اليمنية. فالولاء الحقيقي للوطن يتمثل في الحفاظ على وحدته، وصون سيادته، واحترام مؤسساته، ورفض احتكار الدولة من قبل جماعة أو قبيلة أو منطقة، والعمل على أن تكون الوظيفة العامة حقًا وواجبًا وطنيًا لا امتيازًا اجتماعيًا.
ومن هنا يمكن القول إن القيمة الأبرز التي يمكن استحضارها من تجربة هادي هي تقديم الدولة اليمنية باعتبارها الإطار الأعلى للانتماء السياسي، وأن القبيلة والمنطقة والأسرة، مهما كانت مكانتها الاجتماعية، ينبغي أن تبقى في مرتبة أدنى من الدولة ومؤسساتها. فحين ينتصر مفهوم المواطنة على العصبية، وتصبح مؤسسات الدولة هي مصدر الشرعية والقوة، يبدأ الطريق الحقيقي نحو بناء وطن قادر على حماية سيادته وتحقيق الاستقرار لأبنائه.