وقفت يوماً على الشاطئ البحر، أتأمل أمواجه وهي تتلاطم بعضها ببعض، موجةٌ تتقدم وأخرى تتراجع، وكأن بينهما حكاية لا تنتهي. كنت غارقاً في بحرٍ آخر من التفكير والهموم، أراقب الأمواج وأستمتع بصوتها..
وفجأة سمعت صوتاً ضعيفاً يناديني هلمّ إلي...رفعت رأسي، فإذا بفتاة جميلة تقف غير بعيد عني، كان شعرها مبعثراً على كتفيها، وثيابها ممزقة، وعلى جسدها آثار جروح وكدمات. كانت عيناها دامعتين، لكن خلف تلك الدموع رأيت شيئاً أقوى من الألم؛ رأيت العزة والكرامة.
قلت في نفسي من هذه.. هل تعرفني.. أم أن الأمر مكيدة..او كيمرة خفية معي، ترددت للحظات، لكن الفضول والإنسانية كانا أقوى من خوفي، فخطوت نحوها.
قلت بهدوء، خير يا أختي.. ما لي أراكِ تبكين.. وما هذه الجروح في جسدك.. هل أستطيع مساعدتك..
جلست على الساحل، ومسحت دموعها بيدٍ مرتجفة، ثم قالت بصوت مكسور، اسمع مني، وافعل ما تستطيع.
صمتت قليلاً ثم تابعت، أبي زوجني وأنا في عز شبابي لرجل كبير في السن، له أولاد وأحفاد. كنت أظن أنني ذاهبة إلى بيت زوج، فإذا بي أُزف إلى بيت من الجحيم. أخذ مجوهراتي وباعها، وطرد إخوتي من البيت حتى لا يقف أحد منهم في وجهه وحين مات أبي، استولى حتى على ميراثي، بحجة أنه ولي أمري،
تنهدت وكأنها تحمل فوق صدرها سنوات من القهر، ثم قالت هربت منه لأنني لم أعد أريد الرجوع. كرهت البيت، وكرهت اسمه، وكرهت كل شيء يذكرني بذلك العمر الذي عشته بلا اختيار
لكن مشكلتي لم تنته بعد،. إخوتي انقسموا إلى نصفين نصف رفض الظلم ووقف معي حتى أعيش بحرية وكرامة، ونصف آخر باعني له. وهو الآن يدفع لهم المال، ويقويهم عليّ، ويهددهم ويهددني حتى أعود إليه غصباً عني.
سألتها وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع، من أنتِ.. وما اسمك... رفعت رأسها، ونظرت إلى البحر طويلاً، ثم قالت أنا عدن... بنت الجنوب.