آخر تحديث :الأربعاء-12 أغسطس 2026-11:51م

اليمن بين الجمود العسكري والتصعيد الحوثي: من يملك قرار الميدان؟

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 11:00 م

صدام المثيل
بقلم: صدام المثيل
- ارشيف الكاتب

بعد 10 سنوات من الحرب، يقف اليمن اليوم على مفترق طرق خطير. ففي الوقت الذي تواصل فيه مليشيات الحوثي تصعيدها العسكري في مختلف الجبهات من تعز إلى الضالع ومأرب وحتى البحر الأحمر، تلتزم قوات الشرعية بـ "الصمت الميداني" و"ضبط النفس". هذا التناقض يطرح سؤالاً مركزياً: لماذا لا تتحرك الشرعية لتحرير ما تبقى من اليمن؟ وهل للجمود أسباب منطقية أم أنه استسلام للأمر الواقع؟


أولاً: أسباب الجمود العسكري للشرعية - قراءة في الواقع

القرار بعدم التحرك البري ليس قراراً عسكرياً بحتاً، بل هو نتاج أربعة ضغوط متداخلة:


الرهن السياسي للهدنة الأممية

منذ هدنة أبريل 2022، دخلت الشرعية في مسار تفاوضي برعاية سعودية عمانية وأممية. أي تحرك عسكري كبير يعني نسف هذا المسار، وخسارة الدعم السياسي والمالي الذي تعتمد عليه الحكومة في دفع الرواتب وتشغيل الحد الأدنى من مؤسسات الدولة.


ربما تغير أولويات التحالف العربي انتقلتا من شعار "الحسم العسكري" إلى "إنهاء الحرب". الأولوية الآن هي أمن الملاحة في البحر الأحمر، وتأمين الحدود، وفك الاشتباك مع إيران. اليمن لم يعد ملفاً عسكرياً، بل ملف تفاوض ضمن تسوية إقليمية أكبر.


الضغط الدولي والإقليمي

أمريكا والاتحاد الأوروبي، وبعد أحداث البحر الأحمر وغزة، يمارسون ضغطاً مباشراً على الشرعية بعدم التصعيد. أي عملية تحرير تقابل فوراً ببيانات قلق ودعوات للتهدئة، بينما يترك الحوثي يصعّد دون رادع.


ثانياً: منطق التصعيد الحوثي - لماذا الآن؟


تصعيد الحوثي ليس عشوائياً. له ثلاث وظائف استراتيجية واضحة:


أوراق تفاوض: الحوثي يدخل أي طاولة وهو في موقع قوة ميدانية. كل قذيفة على تعز أو هجوم في الضالع هي رسالة مفادها "أنا أفرض شروطي".


الهروب للأمام: الأزمة الاقتصادية والخدمية في مناطق سيطرته خانقة. الحرب الخارجية توحد الداخل الحاضن له وتصرف الأنظار عن الفشل الإداري.


تثبيت الذات كلاعب إقليمي: عبر استهداف السفن وإطلاق الصواريخ، يريد الحوثي أن يقول للعالم: "تجاهلوني في اليمن يعني اشتعال المنطقة". وهو ينجح في ذلك.


ثالثاً: هل الجمود منطقي؟


منطقي من زاوية إدارة الأزمة، لكنه كارثي من زاوية إدارة الدولة.


المنطق الرسمي يقول: نحن نتجنب حمام دم، ونحافظ على ما تبقى من مؤسسات، وننتظر تسوية سياسية.

المنطق الميداني يقول: الجمود يمنح الحوثي الوقت الكافي لترسيخ سلطته، وبناء جيش، وتغيير هوية الأجيال في مناطق سيطرته. كل يوم تأخير هو خسارة لفرصة العودة.


النتيجة: الشرعية محشورة بين خيارين أحلاهما مر. الحرب مكلفة ومرفوضة، والسلام يعني الاعتراف بالهزيمة، فكان الخيار الثالث: الجمود.


ما يحدث اليوم ليس سلاماً ولا حرباً. إنه "لا حرب ولا سلم". وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر. إما أن تتوفر إرادة سياسية حقيقية مدعومة إقليمياً ودولياً لاستعادة الدولة، أو أن نعترف بأن اليمن دخل مرحلة "تجميد الصراع" التي ستفرز في النهاية واقعين منفصلين.


السؤال لم يعد: لماذا لا تتحرك الشرعية؟


السؤال الآن: إلى متى يمكن للشرعية أن تظل بلا تحرك قبل أن يتحرك التاريخ ضدها؟