كنت أتجنب الكتابة عن هذا الأمر، ليس استخفافًا ولا تقليلًا من قدر صاحبه، فلا كتابتي سترفعه، ولا سكوتي سيحطه، فهو كالشمس في رابعة النهار، وهو ممن يُشار إليه بالبنان، وهو قائد لا يُشق له غبار، ويعرفه القاصي والداني ، وساحات الوغى وميادين الحرب تعرفه...
في العام 2015م، إبان الحرب المجوسية مع أذناب إيران، شهدت له عدن ورفاق السلاح، فما أن يودعون شهيدًا ،حتى يعودوا يحملون أكفانهم على أكتافهم للدفاع والذود عن عدن وأهلها من براثن (السلالي) الهمجي الذي ظن أن عدن خاصة، والجنوب عامة، لقمة سائغة، إلا أنه ذاق المرار، وعاد يجر أذيال الخزي والعار..
وحينما وضعت الحرب أوزارها، وعم السلام في ربوع المحافظات والمناطق المحررة، لم يبحث عن منصب أو كرسي أو جاه أو مال، ولم يصارع إخوته، ولم ينازع رفاقه، ولم يقتطع أرضًا، أو يسطُ على معلم، أو يحتل مبنى، بل عاد إلى منزله في صمت الكبار وشموخ الرجال..
حديثي عن القيادي اللواء الدكتور ناصر الفضلي، ليس حديثًا لمجده، ولكن من باب ذكر تاريخه في الأمس القريب، وما يعانيه اليوم بعد أن طاله الإهمال والحرمان من شرعية الفنادق التي تخلت عن رجالها وأبطالها، واستبدلتهم بهلاميين وورقيين وبائعي الوهم والزيف والضحك على الذقون..
حديثي عن قيادي يرقد اليوم في أحد المستشفيات في عمليته الثالثة، وهو لا يعلم أنني سأخط هذه الكلمات والعبارات عن شخصه الكريم، فهو تحت تأثير العملية وآلامها والإهمال، وأوجاعه ممن كان لهم درعًا حصينًا وحصنًا منيعًا ضد تلك المليشيات التي حاولت أن تطمس التاريخ والهوية والأرض والعقيدة..
إن ما حملني على الكتابة بحرقة وألم أن الرجال والأبطال والشرفاء مصيرهم التجاهل والإهمال دون أن ينالوا أقل القليل من حقهم نظير نضالهم وتضحياتهم الجسام، بينما أطفال الأمس والقادة الورقيون يتقلدون المناصب، ويعتلون الفنادق، ويعبثون بالريالات والدراهم والدولارات..
اللواء الفضلي نموذجًا لكوكبة من الرجال والشرفاء الذين لفهم النسيان، وطوتهم الأيام، وتجاهلتهم الحكومات المتعاقبة دون أن ترد لهم الجميل، أو تتذكر لهم المواقف المشرفة التي خاضوها في ساحات النزال من أجل الذود عن الأرض والعرض والدين والهوية..
سحقًا، والله، لهذه الشرعية إن كان مصير رجالها وأبطالها وشرفائها الإهمال والمعاناة والحرمان دون السؤال عنهم في أحلك وأصعب ظروفهم ووقت حاجتهم، سحقًا وألف سحق إن كانت ستتخلى عمن بذلوا الغالي والنفيس من أجل الحفاظ عليها والدفاع عنها أمام المد الفارسي الذي كاد أن يلتهمها في غمضة عين، لولا الله ثم هؤلاء الشرفاء..
دمتم بخير، وللحديث بقية..
11 اغسطس2026م