ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، فبعضها يُحسم بحبرٍ مأجور، أو شاشةٍ مضاءة، أو حسابٍ مجهول يتقن صناعة الأكاذيب أكثر مما يتقن أصحاب الحق صناعة الحقيقة.
ولذلك لم تكن الحكمة الشعبية التي تقول: "اسمع مني ولا تسمع عني" مجرد عبارة عابرة، بل كانت دستورًا أخلاقيًا يحمي العقول من الوقوع في فخ الإشاعات، ويمنع الضمائر من إصدار الأحكام قبل سماع صاحب القضية.
غير أن زماننا انقلبت فيه الموازين...
فلم يعد الناس يسألون: ماذا قال الرجل؟ بل يسألون: ماذا قيل عنه؟
ولم يعد الباحث يقرأ الكتاب، وإنما يقرأ مقدمته التي كتبها خصمه، ثم يغلق الكتاب وهو يظن أنه أحاط بمضمونه.
لقد أصبح كثيرون يؤمنون بالرواية أكثر من الحقيقة، وبالتعليق أكثر من النص، وبالصورة المقتطعة أكثر من المشهد الكامل.
وهنا تبدأ الكارثة.
إن أخطر أنواع الاستبداد ليس ذلك الذي يصادر حرية الكلام، بل الذي يجعل الناس يكرهون المتكلم قبل أن يسمعوا كلامه.
فالطغاة لا يخشون الحقيقة بقدر ما يخشون وصولها إلى الناس.
ولذلك يسبقونها دائمًا بحملات التشويه، ويغلفونها بطبقات كثيفة من الاتهامات، حتى إذا وصلت الحقيقة إلى الجماهير وجدتها العقول ملوثة سلفًا.
ولهذا كانت الأنظمة الفاشلة عبر التاريخ تنفق على أجهزة الدعاية أكثر مما تنفق على إصلاح الواقع؛ لأنها تعلم أن تغيير الصورة في الأذهان أسهل من تغيير الحقيقة على الأرض.
إن اغتيال السمعة أقل كلفة من اغتيال الإنسان، لكنه أشد أثرًا وأطول عمرًا.
كم من رجلٍ صادقٍ عاش مطاردًا لأنه حوكم بما قاله خصومه عنه!
وكم من فكرة عظيمة دُفنت تحت ركام الافتراءات قبل أن يمنحها الناس فرصةً لتتكلم!!
وكم من أمةٍ خُدعت لأنها اكتفت بسماع الصدى، ولم تبحث يومًا عن الصوت الأصلي!!!
وليس الأمر مقصورًا على الأشخاص، بل يمتد إلى الأحزاب، والجماعات، والمؤسسات، بل وحتى إلى الأوطان.
فقد أصبح من السهل أن تُصنع صورةٌ ذهنية لكيانٍ كامل، لا علاقة لها بحقيقته، ثم تتحول تلك الصورة مع كثرة التكرار إلى يقينٍ لا يقبل النقاش.
وهكذا تُدار السياسة في كثير من الأحيان؛ لا بإقناع الناس، بل بإقناعهم ألا يستمعوا للطرف الآخر.
إنهم لا يمنعونك من القراءة... بل يجعلونك تكره الكاتب.
ولا يمنعونك من سماع الخطيب... بل يقنعونك مسبقًا بأنه لا يستحق السماع.
ولا يناقشون الفكرة... بل يقتلون صاحبها معنويًا، ثم يطالبون الناس بالتصفيق لجنازة الحقيقة.
وهذا هو أخطر أنواع التزييف؛ لأنه لا يصادر العقول بالقوة، وإنما يستأجرها بالدعاية.
إن العقل الحر لا يصدر حكمًا حتى يسمع، ولا يصدق روايةً حتى يوازنها برواية أخرى، ولا يجعل خصوم الرجل شهودًا وحيدين في قضيته.
فالعدل يبدأ من الإنصاف في الاستماع، كما يبدأ الظلم من الاكتفاء بما يُقال عن الآخرين.
ولو أن الناس التزموا بالحكمة الخالدة: "اسمع مني ولا تسمع عني"، لسقطت أسواق الإشاعة، وكسدت تجارة التشويه، وخسرت مصانع الكراهية أعظم أسلحتها.
لكن يبدو أن في هذا العصر من يفضل أن يستأجر أذنيه للآخرين، وأن يعطل عقله بإرادته، ثم يزعم بعد ذلك أنه وصل إلى الحقيقة!!
إن الأمم التي تبني مواقفها على ما يُقال، لا على ما هو كائن، يسهل قيادها كما تُقاد القطعان؛ أما الأمم التي تسمع من الجميع، ثم تحكم بعقولها، فهي وحدها القادرة على حماية حريتها وصناعة مستقبلها.
وفي النهاية...
لن يكون أخطر ما في هذا العصر كثرة الكذابين، فالكذب قديم قِدم التاريخ، وإنما الأخطر كثرة الذين استقالت عقولهم، وقرروا أن يعيشوا على ما يُقال، لا على ما هو كائن.
فإذا رأيت أمةً تُدين الرجال قبل أن تسمعهم، وتحاكم الأفكار قبل أن تقرأها، وتصدر الأحكام من عناوين الأخبار لا من حقائقها... فاعلم أنها لم تعد تعيش في وطن الحقيقة، بل في "محكمة الصدى"؛ حيث يُعدم الصوت، وتُبرَّأ الضوضاء.