الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تحل علينا الذكرى الحادية عشرة لتحرير العاصمة المؤقتة عدن من قبضة الانقلاب الحوثي، وهي ذكرى وطنية خالدة ستظل محفورة في وجدان اليمنيين، لما مثلته من نقطة تحول فاصلة أعادت الأمل بامكانية استعادة الدولة، ورسخت حقيقة أن إرادة الشعوب لا تُقهر مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات.
لقد كان السابع عشر من يوليو 2015 يوما استثنائيا في تاريخ اليمن الحديث، تجلت فيه أسمى معاني التضحية والفداء، حين توحدت إرادة أبناء عدن والمقاومة الوطنية مع الدعم الأخوي الصادق من دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، فكان النصر ثمرة لتكاتف الإرادة الوطنية مع الموقف العربي المسؤول، لتُطوى صفحة سوداء من صفحات الانقلاب، وتُفتح صفحة جديدة عنوانها الصمود واستعادة الدولة.
وفي هذه المناسبة الوطنية نستحضر بكل إجلال مواقف الرجال الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن الوطن في أحلك الظروف، وفي مقدمتهم فقيد الوطن فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي رحمة الله عليه، الذي قاد المرحلة بكل ما حملته من تعقيدات سياسية وعسكرية، متمسكا بشرعية الدولة وإيمانا بحق الشعب اليمني في استعادة وطنه ومؤسساته.
كما نتوجه بخالص التقدير والعرفان إلى قيادة المملكة العربية السعودية، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الامير محمد بن سلمان، وإلى الاشقاء في دول التحالف العربي، الذين وقفوا منذ انطلاق عمليات عاصفة الحزم في السادس والعشرين من مارس 2015 إلى جانب الشرعية اليمنية، مقدمين دعما سياسيا وعسكريا وإنسانيا كان له بالغ الأثر في تحقيق النصر وتحرير عدن.
وقد تشرفت خلال تلك المرحلة المفصلية بتحمل مسؤولية مدير مكتب رئاسة الجمهورية، وممثلًا للقائد الأعلى في قيادة وتحرير عدن، وهي مسؤولية وطنية جسيمة عايشت خلالها أدق تفاصيل تلك الأيام، حين كانت العاصمة المؤقتة تواجه أخطر مراحلها، وكانت مؤسسات الدولة تتعرض لمحاولة اجتثاث غير مسبوقة. ورغم قسوة الظروف، بقي الإيمان بالوطن والدولة حاضرا في نفوس المخلصين الذين آمنوا بأن اليمن لا يمكن أن يُختزل في مشروع انقلاب أو يُختطف بإرادة السلاح.
وفي هذه الذكرى نستذكر بكل وفاء شهداء عدن والجنوب واليمن كافة، كما نستذكر شهداء الأشقاء من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وبقية دول التحالف العربي، الذين امتزجت دماؤهم بدماء إخوانهم اليمنيين دفاعا عن الشرعية واستقرار المنطقة.
ويظل الشهيد اللواء علي ناصر هادي، قائد المنطقة العسكرية الرابعة، أحد أبرز رموز تلك المرحلة، إذ ارتقى شهيدا وهو يؤدي واجبه الوطني في الدفاع عن عدن وشرعية الدولة، في مواجهة الانقلاب الحوثي وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح التي سخّرت إمكانات الجيش ومعسكراته لخدمة مشروع الانقلاب.
لقد مرت القيادة الشرعية آنذاك بظروف غاية في التعقيد، واختلطت الحسابات السياسية بالمواجهات العسكرية، وتباينت المواقف والاجتهادات بين القوى الوطنية، غير أن إدراك خطورة اللحظة التاريخية دفع كثيرا من القيادات الوطنية إلى تغليب المصلحة العليا، والعمل على توحيد الصفوف وتعزيز الجبهة الداخلية، حتى أصبحت عدن عنوانا لوحدة الإرادة الوطنية في مواجهة مشروع الانقلاب.
ومن قلب تلك المعاناة ولدت ملحمة التحرير، حيث سطر أبناء عدن والمقاومة الوطنية، بإسناد مباشر من قوات التحالف العربي، واحدة من أعظم صفحات البطولة في التاريخ اليمني المعاصر، حتى بزغ فجر السابع عشر من يوليو 2015، معلنا انتصار عدن، وانكسار مشروع الانقلاب في أولى معاقله التي حاول فرضها بالقوة.
وإذا كانت هذه الذكرى تمثل محطة للفخر والاعتزاز، فإن من المؤسف أن حضورها الإعلامي والوطني لم يعد يوازي حجمها التاريخي، رغم أنها لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل توحد و استمرار لسبتمبر و اكتوبر كما هي لحظة مفصلية أعادت للشرعية موطئ قدمها، ومهدت لاستعادة مؤسسات الدولة، وأثبتت أن التضحيات العظيمة لا ينبغي أن تغيب عن ذاكرة الأجيال،
لقد واجهت عدن والمحافظات المحررة خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة في الخدمات والإدارة والتنمية، الأمر الذي يجعل من هذه الذكرى مناسبة لتجديد العزم على استكمال معركة بناء الدولة، وتعزيز مؤسساتها، وتحسين حياة المواطنين، وترسيخ الأمن والاستقرار، وفاء لتضحيات الشهداء والجرحى وكل من صنعوا هذا الانتصار.
وفي ظل ما تشهده اليمن والمنطقة من متغيرات متسارعة، تظل دروس تحرير عدن أكثر حضورا من أي وقت مضى، فقد أكدت التجربة أن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن محيطه العربي، وأن التضامن العربي كان ولا يزال صمام أمان في مواجهة التحديات التي تستهدف أمن المنطقة واستقرارها.
وانطلاقا من هذه القناعة، فإننا نعوّل على استمرار الدور المحوري للمملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وسمو الأمير خالد بن سلمان، في دعم اليمن، ورعاية جهود السلام، وبناء معالجة سياسية عادلة وشاملة، تحفظ للدولة اليمنية وحدتها، وتعزز مكانة الجنوب وقضيته الوطنية ضمن أي تسوية سياسية قادمة.
كما نجدد في هذه المناسبة الوطنية التقدير لمجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد محمد العليمي، و ندعوا الله للحكومة برئاسة دولة رئيس الوزراء شايع محسن الزنداني، آملين أن تمثل المرحلة القادمة انطلاقة جديدة نحو تعزيز مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، وترسيخ سيادة القانون، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء دولة قوية تستجيب لتطلعات المواطنين الذين قدموا أعظم التضحيات دفاعا عن وطنهم.
سيظل السابع عشر من يوليو يوما خالدا في ذاكرة الوطن، ورمزا لانتصار الإرادة على القوة، والحق على الباطل، والدولة على مشروع الانقلاب. وستبقى بطولات رجال عدن وكل أحرار اليمن منارة تهتدي بها الأجيال، ودليلا على أن الأوطان لا تُصان إلا بالإخلاص، ولا تُبنى إلا بالتضحيات، وأن النصر يولد دائما من رحم الصبر والثبات.
أ.د. محمد علي مارم
مدير مكتب رئاسة الجمهورية السابق
ممثل القائد الأعلى لقيادة وتحرير عدن
17 يوليو 2026م
شيفيلد