ليس أقسى على الإنسان من أن يصبح وطنه سؤالًا بلا جواب، وأن تغدو أيامه معلقةً بين خوفٍ لا ينتهي، ورجاءٍ لا يصل.
واليمن اليوم ليس فقيرًا لأن أرضه عقمت، ولا لأن سماءه بخلت، ولا لأن شعبه عجز عن العمل....
ولكنه فقير لأن السياسة حين فقدت ضميرها... أخذت من أفواه الجائعين ما لم تستطع أن تأخذه سنوات الجدب، وسرقت من أعمار الناس ما عجز الزمن عن سرقته.
فيا للعجب...
وطنٌ يفيض برجاله، وتضيق به المروءة.
ووطنٌ امتلأت ساحاته بالخطباء، حتى كاد الهواء يختنق من كثرة الخطب، لكنه افتقر إلى من يحمل عن الناس وجعهم، أو يمسح عن وجوههم غبار الحاجة.
لقد أصبح المواطن اليمني مشروعًا دائمًا للصبر، حتى كأن الصبر وظيفةٌ رسمية يتقاضى عليها التعب، لا الراتب.
وأما الساسة...
فقد بلغوا من براعة الكلام مبلغًا لو كانت الأوطان تُبنى بالخطب، لكان اليمن أعظم دول الأرض عمرانًا...
ولو كانت البيانات تُطعم الجائعين، لما بقي طفلٌ يبحث عن كسرة خبز....
ولو كانت المؤتمرات تعالج المرضى، لما مات أحدٌ على أبواب المستشفيات.
لكن الخطب لا تبني مدرسة، ولا البيان يضيء مصباحًا، ولا الشعارات تُطفئ جوعًا.
ومن أعجب عجائب هذه البلاد أن الجميع يتحدث باسم الشعب، حتى لم يبق للشعب من يتحدث باسمه إلا أوجاعه.
يتخاصمون على الخرائط، بينما المواطن يبحث عن طريقٍ آمن إلى لقمة عيشه.
يتجادلون حول المستقبل، بينما الحاضر يذوب من بين أيدي الناس كما يذوب الملح في الماء. ويختلفون على اقتسام الغد، وقد عجزوا عن إنقاذ اليوم.
لقد صار اليمني يضحك من شدة ما بكى، ويسخر من قسوة واقعه؛ لأن السخرية أحيانًا آخر ما يتشبث به القلب حين تعجز الدموع عن أداء رسالتها.
أي مفارقة هذه؟!!!
تُعقد المؤتمرات للحديث عن الإنسان، بينما الإنسان نفسه يقف خارج القاعة ينتظر من يسأله: كيف أصبحت؟ وهل أكل أطفالك اليوم؟ وهل ما زلت تؤمن بأن لهذا الليل فجرًا؟
لقد اعتاد الناس سماع الكلمات الكبيرة: الإصلاح، والإنقاذ، والتعافي، والشراكة، والرؤية...
حتى خُيّل إليهم أن الكلمات وحدها أصبحت صناعةً وطنية، أما الأفعال فقد هاجرت منذ زمن ولم تترك عنوانًا لعودتها.
ومع ذلك كله ،ورغم ذلك كله ...
لم يخسر اليمنيون أعظم ما يملكون....
لم يخسروا قدرتهم على الأمل....
فما زالت الأم تخبئ في دعائها وطنًا أجمل لأبنائها.
وما زال الأب يحمل على كتفيه وطنًا كاملًا وهو يبتسم لأسرته.
وما زال الفقير يتصدق بابتسامته، لأن الكرم في اليمن لم يكن يومًا مرهونًا بالغنى.
إن الشعوب لا تموت لأنها تجوع، وإنما تموت حين تفقد إيمانها بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
واليمنيون....
رغم هذا الركام الهائل من الخيبات، ما زالوا يؤمنون بأن الوطن أكبر من الحرب، وأبقى من الخصومات، وأشرف من أن يبقى أسيرًا لمصالح ضيقة أو حسابات عابرة.
وسيأتي يومٌ ينظر فيه التاريخ إلى هذه المرحلة، لا ليسأل: من كان أقوى؟ ولا من كان أغنى؟ بل ليسأل سؤالًا واحدًا: من كان أقرب إلى وجع الناس؟
ومن جعل من السلطة وسيلةً لخدمة الوطن، لا غايةً يتنافس عليها المتخاصمون؟
فالأوطان لا يحفظها ضجيج الشعارات..
وإنما يحفظها عدلٌ يطمئن إليه الضعيف، وضميرٌ يستيقظ قبل أن ينام الأطفال جياعًا، ورجالٌ إذا ذكروا الوطن، تذكروا الناس أولًا... لأن الناس هم الوطن، وما عداهم عناوين تتبدل، ويبقى اليمن وحده هو الحقيقة الخالدة.
٠