آخر تحديث :الثلاثاء-30 يونيو 2026-02:28م

من يحمي أساتذة الجامعات؟ عندما يعجز الأكاديمي عن علاج ابنه!

الثلاثاء - 30 يونيو 2026 - الساعة 12:54 م

د. غسان ناصر عبادي
بقلم: د. غسان ناصر عبادي
- ارشيف الكاتب

هناك قصص لا تُروى من أجل إثارة العاطفة، بل لأنها تكشف خللًا يستوجب المعالجة، وقضية التأمين الصحي في الجامعات الحكومية واحدة من تلك القضايا التي آن الأوان لأن تتصدر أولويات صناع القرار.


تخيل أستاذًا جامعيًا أنهى يومًا طويلًا في أداء رسالته العلمية، ألقى محاضراته لطلبة الدراسات العليا، وأشرف على مناقشة بحوث الماجستير والدكتوراه، ثم عاد إلى منزله ليجد ابنه يتلوى من الألم بعد تعرضه لكسر في ذراعه.


لم يتردد في حمل ابنه والتوجه إلى المستشفى، لكنه قبل ذلك بحث في جيبه، فلم يجد ما يكفي لإسعافه، فاضطر إلى الاستدانة من أحد جيرانه، وعندما وصل إلى المستشفى الخاص، كانت الصدمة أكبر من قدرته على الاحتمال، إذ أُبلغ بأن تكلفة العملية والعلاج والترقيد تفوق إمكاناته بكثير.


خرج وهو يحمل ابنه بين ذراعيه، لكن ما كان يثقله أكثر هو شعوره بالعجز، كيف يمكن لمن أفنى عمره في تدريس الأجيال وصناعة الكفاءات أن يقف عاجزًا أمام علاج أحد أبنائه؟ وكيف يُترك الأستاذ الجامعي، الذي يخرّج الطبيب والمهندس والقاضي والمعلم، بلا مظلة تأمين صحي تحميه وتحمي أسرته؟


وبعد رحلة من القلق والأمل، قادته الصدفة إلى مستشفى أطباء بلا حدود، حيث أُجريت العملية مجانًا، مع توفير العلاج والرعاية الكاملة، والمفارقة المؤلمة أن الطبيب الذي أجرى العملية هناك هو نفسه الطبيب الذي طلب مبلغًا باهظًا لإجرائها في المستشفى الخاص.


هذه القصة ليست استثناءً، بل تعكس واقعًا يعيشه كثير من أعضاء هيئة التدريس والهيئة المساعدة وموظفي الجامعات الحكومية، الذين يواجهون الأمراض والحوادث دون أي غطاء تأميني، في وقت أصبحت فيه برامج التأمين الصحي جزءًا من منظومة الرعاية الوظيفية في مؤسسات حكومية عديدة.


إن استمرار هذا الوضع لا ينعكس على الأكاديمي وحده، بل على جودة التعليم واستقرار المؤسسات الجامعية، فالأستاذ الذي يحمل همّ علاج أسرته، ويخشى أي طارئ صحي، لن يستطيع أن يؤدي رسالته العلمية في بيئة مستقرة وآمنة.


ولذلك، فإن التأمين الصحي لم يعد مطلبًا نقابيًا، ولا رفاهية إدارية، بل أصبح حقًا وظيفيًا وإنسانيًا، واستثمارًا في الإنسان الذي يصنع رأس المال الحقيقي للأوطان.


إننا نوجّه نداءً صادقًا إلى رئاسات الجامعات الحكومية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة المالية، ونقابات أعضاء هيئة التدريس، للعمل على إنشاء منظومة تأمين صحي شاملة، من خلال التعاقد مع المستشفيات أو شركات التأمين، بحيث تتحمل الجامعات النسبة الأكبر من التكلفة، ويسهم المنتسبون بالنسبة المتبقية، بما يضمن استدامة هذا المشروع الحيوي.


إن حماية الأستاذ الجامعي ليست ترفًا، بل واجب وطني، لأن من يصنع العقول ويؤسس لمستقبل الوطن يستحق أن يجد مؤسسته إلى جانبه عندما يواجه المرض.


ويبقى السؤال الذي نأمل أن يجد إجابة عملية لا مجرد وعود: من يحمي أساتذة الجامعات عندما يعجزون عن علاج أبنائهم؟