آخر تحديث :الإثنين-29 يونيو 2026-12:37ص

القبيلة اليمنية... حين يتقدم التاريخ على السياسة في معركة الكرامة

الأحد - 28 يونيو 2026 - الساعة 11:31 م

المستشار / جمال صالح لهطل الفضلي
بقلم: المستشار / جمال صالح لهطل الفضلي
- ارشيف الكاتب

في المنعطفات الكبرى من تاريخ اليمن، كانت القبيلة أكثر من مجرد انتماء اجتماعي؛ كانت مؤسسة وطنية متجذرة في الأرض، تستمد شرعيتها من التاريخ، وتستند إلى منظومة من القيم التي صنعت هوية المجتمع اليمني عبر القرون. وقبل أن تعرف البلاد الأحزاب والتنظيمات السياسية، كانت القبيلة هي الحاضنة التي تحفظ الأمن، وتصون الكرامة، وتلبي نداء الواجب عند كل منعطف مصيري.



لقد أثبتت الأحداث أن لحظات الخطر الكبرى لا تُواجه بالشعارات وحدها، ولا بالبيانات السياسية، وإنما بالإرادة الشعبية الصادقة. وعندما دعا الشيخ حمد بن فدغم إلى النفير، جاءت الاستجابة من القبائل واسعة وسريعة، في مشهد أعاد إلى الأذهان الصورة الأصيلة لليمن، حيث يلتقي الوفاء مع الشهامة، وتتحول الكلمة الصادقة إلى موقف عملي على أرض الواقع.



ولم يكن ذلك المشهد مجرد تجمع بشري، بل كان رسالة سياسية واجتماعية عميقة، مفادها أن القبيلة لا تزال تمتلك القدرة على الحشد والتعبئة عندما تشعر بأن المسؤولية الوطنية تستدعي ذلك. فالقبيلة لم تنتظر مكاسب، ولم تربط حضورها بمناصب أو امتيازات، وإنما حضرت لأنها رأت أن الواجب يسبق المصلحة، وأن الوطن أكبر من الحسابات الضيقة.



أما الأحزاب والنخب السياسية، فقد وجدت نفسها أمام اختبار صعب. فسنوات طويلة من الخطابات والوعود لم تتمكن من خلق حالة الالتفاف الشعبي التي صنعتها دعوة واحدة خرجت من عمق المجتمع القبلي. وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء دور العمل السياسي، لكنه يكشف أن أي مشروع وطني يفقد صلته بالمجتمع الحقيقي سيبقى عاجزًا عن صناعة التأثير.



لقد حملت الأحزاب، في نظر كثيرين، جزءًا من مسؤولية الإخفاقات التي رافقت المرحلة الماضية، سواء بسبب الانقسامات أو تضارب المصالح أو الانشغال بالمنافسة على المواقع أكثر من الانشغال ببناء مشروع وطني جامع. ومع مرور الوقت، تزايدت تساؤلات المواطنين حول أسباب استمرار الحرب، ومن المستفيد من إطالة أمدها، في ظل معاناة إنسانية واقتصادية أثقلت كاهل الجميع.



وفي المقابل، جاء النفير القبلي ليقدم نموذجًا مختلفًا؛ نموذجًا يقوم على سرعة الاستجابة، ووحدة الهدف، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية. وهو ما دفع كثيرًا من المراقبين إلى القول إن القبيلة حققت في ميدان الحشد والتعبئة ما عجزت عنه النخب السياسية طوال سنوات.



إن الصورة القادمة من مأرب ليست مجرد صورة لأشخاص، بل هي صورة لتاريخ كامل. مأرب، أرض العرش والمعبد، مهد الحضارة اليمنية، عادت لتذكر الجميع بأن قوة اليمن الحقيقية تنبع من تماسك مجتمعه، ومن أصالة قيمه، ومن رجاله الذين يحملون إرثًا حضاريًا يمتد لآلاف السنين. تلك الوجوه البسيطة الصادقة تعكس معنى الانتماء الحقيقي، وتؤكد أن التاريخ لا تصنعه الحملات الإعلامية، وإنما يصنعه الرجال عندما تتحول المبادئ إلى مواقف.



واليوم، إذا أرادت النخب والأحزاب استعادة ثقة المجتمع، فإن الطريق لا يبدأ بالمطالبة بالمناصب أو المكاسب، بل يبدأ بالالتحاق بالمشروع الوطني بروح الخدمة والتضحية، والعمل إلى جانب المجتمع لا فوقه. فالمجتمعات لا تحترم من يبحث عن الامتيازات في زمن المحن، وإنما تخلد من يضع نفسه في الصفوف الأولى دون انتظار مقابل.



لقد كانت القبيلة، وما تزال، أحد أعمدة الدولة والمجتمع في اليمن. وعندما تتحرك بإخلاص، فإنها تستنهض التاريخ، وتحرك الضمير الجمعي، وتبعث رسالة مفادها أن اليمن لا يزال يمتلك من عناصر القوة ما يمكنه من تجاوز الأزمات، متى ما توحدت الكلمة وصدقت النوايا انها معركة الكرامة والنصر والتحرر العربية باذن الله تعالى.


إن المستقبل لا يُبنى بالصراع بين القبيلة والسياسة، بل بتكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وبالاستفادة من الرصيد التاريخي والاجتماعي الذي تمثله القبيلة، ليكون عامل استقرار ووحدة، لا سببًا للانقسام. فحين يجتمع صدق الموقف مع حكمة القيادة، يصبح التاريخ مصدر إلهام لصناعة المستقبل.