في الوعي الجمعي للناس، يرتبط السُّكر بما يُغَيِّب العقل ويُعطِّل الحواس؛ كحال من أثقلته الخمر ففقد توازنه وإدراكه؛ لكن ثمة سُكرا أخطر وأشد فتكا، لا تُدركه الأبصار، ولا تُشمّ له رائحة، ولا يُحسّ به صاحبه أصلا؛ إنه سُكر القلوب.
هذا السُّكر ليس حالة عابرة؛ بل مرض عميق يُصيب البصيرة، فيقلب الموازين، ويشوّه الحقائق؛ فيرى الإنسان الباطل حقا، والحق باطلا، ويُصر على خطئه وهو يظن أنه مُحسن. وإن كان سُكر الحواس يزول بالإفاقة؛ فإن سُكر القلوب قد يمتد عمرا كاملا؛ بل قد يموت الإنسان وهو غارق فيه دون أن يشعر أنه كان مريضا.
لقد لفت القرآن الكريم إلى خطورة هذا العمى الخفي، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾؛ فالمشكلة ليست في الحواس؛ بل في موضع القرار: القلب.
لا يأتي سُكر القلوب في صورة واحدة؛ بل يتلوّن بأشكال متعددة، قد يتلبّس بها الإنسان دون أن ينتبه:
– فهو تارة كِبر يُعمي صاحبه عن قبول الحق؛ فيرد النصيحة ويزدري الناس.
– وتارة طمع لا يشبع، يجعل الدنيا غاية لا وسيلة.
– وقد يكون حقدا يُبرّر الظلم ويُغذّي الانتقام.
– أو تعصّبا أعمى يُقدّم الرأي على الدليل.
– وقد يظهر في سُكر السلطة حين يرى الإنسان نفسه فوق الحساب، أو في سُكر الشهرة؛ حين يعبد صورته في أعين الناس.
– بل قد يكون في الاستغراق في الشهوات؛ حيث تُستعبد القلوب للذة، فينطفئ نور الإيمان.
ورغم اختلاف الصور؛ إلا أن النتيجة واحدة: قلب غائب، وبصيرة مطموسة.
هذا السُّكر لا يقع فجأة؛ بل هو نتيجة تراكمات خفية تبدأ بضعف الصلة بالله،
؛ حين يغيب الذكر وتضعف المراقبة، فيجد الهوى طريقه إلى القلب. ثم يتعزز بطول الأمل ونسيان الآخرة، فيعيش الإنسان وكأنه مخلّد.
ومع مرور الوقت؛ قد يُخدع الإنسان بنجاحٍ مؤقت أو قوة عابرة؛ فيظن أنه بلغ الغاية، فيبدأ السقوط من حيث يظن أنه وصل. وتلعب البيئة دورا خطيرا؛ إذ تتحول المعصية إلى أمر مألوف، والمنكر إلى سلوك طبيعي.
ولا يمكن إغفال أثر الإعلام المضلل، الذي يعيد تشكيل المفاهيم، فيُلبس الباطل ثوب الحق، ويجعل الانحراف حرية، والفساد تقدما. ومع غياب العلم والبصيرة؛ يسير الإنسان في هذا الظلام دون أن يدرك أنه فقد الاتجاه.
إذا سكر القلب؛ اختل ميزان القيم؛ فيُصبح الصدق ضعفا، والأمانة سذاجة، والتواضع مهانة؛ بينما يُرفع الكذب إلى مرتبة الذكاء، والخيانة إلى مهارة، والتكبر إلى قوة.
ولا يقف الأمر عند الخطأ؛ بل يتجاوزه إلى تبريره والدفاع عنه، حتى يفقد الإنسان القدرة على مراجعة نفسه. ومع الزمن؛ يقسو القلب، فلا يتأثر بموعظة، ولا يتحرك لألم، ولا يرقّ لدمعة.
ويزداد الأمر خطورة؛ حين يتحول العناد إلى منهج، فيُجادل الإنسان بالباطل، ويأبى الرجوع، ويعيش في وهم القوة والاستغناء، حتى تصدمه الحقيقة حين لا ينفع الندم.
حين تسكر القلوب على مستوى الأفراد؛ لا يبقى الفساد حبيس النفوس؛ بل يمتد ليُفسد المجتمع بأكمله. ينتشر الظلم، وتتآكل القيم، وتتفكك الروابط، وتتحول العلاقات إلى مصالح باردة.
ومع شيوع الأنانية؛ يضعف التكافل، وتُغيّب العدالة، ويُقدّم القوي على الحق، ويُهمّش الضعيف. ومع انهيار الثقة، تتحول الحياة إلى مساحة من الشك والخوف.
والكارثة الكبرى تقع؛ حين يصل هذا السُّكر إلى مراكز القرار؛ حيث يتحول إلى طغيان سياسي، واستبداد، وتوظيف للقوة في غير موضعها. هناك لا يكون السقوط فرديًا؛ بل قد يكون مصير أمة بأكملها.
ومن أخطر ما يُصيب القلب السكير أن يظن أن إمهال الله له رضا، وأن تأخير العقوبة أمان. فيستمر في غفلته، بينما هو في حقيقة الأمر يُستدرج خطوة بعد خطوة.
تتراكم الذنوب، وتتصلب القلوب، حتى يفقد الإنسان قابلية الرجوع، ثم يأتي الأخذ فجأة؛ بعد طول غفلة، في لحظة لا يتوقعها.
وهنا تتجلى سنّة لا تتخلف: أن الظلم مؤذن بزوال الأفراد والدول، وأن سُكر القلوب مقدمة كل سقوط.
ورغم قتامة الصورة؛ فإن باب النجاة لا يُغلق ما دام القلب حيا. تبدأ الإفاقة من تعظيم الله في القلب، ومن وقفة صادقة مع النفس تُكسر فيها حواجز الكبر.
ويظل تذكر الموت من أقوى ما يوقظ الغافلين، كما أن العلم نور يعيد ترتيب البصيرة، والصحبة الصالحة بيئة تُعين على اليقظة. أما الزهد في الدنيا، فليس تركها؛ بل امتلاكها دون أن تملك القلب.
وفي زمن تتعدد فيه أشكال التضليل؛ لا يكون السكوت خيارا؛ فمسؤولية الكلمة اليوم أعظم، ودور المصلحين يتجاوز الوعظ إلى كشف الحقائق، وتصحيح المفاهيم، وربط الواقع بسنن الله؛ فالتغيير لا يبدأ من الأنظمة؛ بل من القلوب؛ فإذا صلحت؛ صلح ما بعدها، وإذا فسدت، لم يُجدِ إصلاح الظاهر.
هذه ليست مجرد دعوة وعظية؛ بل نداء عاجل قبل فوات الأوان: أن يُفيق الإنسان؛ قبل أن يُوقَظ قهرا، وأن يعود قبل أن يُعاد اضطرارا؛ فالنجاة ليست في الذكاء، ولا في القوة، ولا في المال؛ بل في قلب يقظ، يرى الحق حقا فيتبعه، ويرى الباطل باطلا فيجتنبه ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾؛ فهل آن للقلب أن يُفيق؟
نسأل الله أن يرزقنا قلوبا سليمة، وألسنة صادقة، واعمالا صالحة، وبصائر نافذة!
دمتم سالمين!